لم يصلِّ ولا تستطيع ترجيح خبر أحدهما على الآخر لأن كل واحد من المخبرين حالة في الثقة كحال الآخر فلم يبق في الترجيح إلا الشك، ولا يجوز أن يحكم به. [1]
فإن قيل بحكم بالأحوط قيل أن الأحوط يظهر بترجيح إحدى الأمارتين، وهو خارج محل النزاع. [2]
واستدلوا أيضًا: بأن مساواة الأمارتين تقتضي إثبات حكميهما، إما على الجمع وذلك غير ممكن، وإما على سبيل التخيير فهو ممتنع من ثلاثة وجوه:
الأول: إن الأمة مجمعة على امتناع تخيير المكلفين في مسائل الاجتهاد.
الثاني: إن التخيير بين الأمرين هو عمل بأمارة الإباحة، وهو ممتنع لعدم ترجيح إحدى الأمارتين على الأخرى.
الثالث: يلزم منه جواز تخيير الحاكم للمختصمين، وكذلك المفتي للعامي - أي تخييره بين الحكم ونقيضه-. [3]
وقد نوقش هذا الدليل بأنه لا مانع من العمل بإحدى الأمارتين على سبيل التخيير فيعمل المكلف بما شاء منهما، فإن شاء أثبت وإن شاء نفى.
وأما القول بأن الأمة مجمعة على امتناع التخيير في مسائل الاجتهاد، فقد نوقش بأن حاله لا يخرج من أحد أمرين: إما أن ترجح عنده إحدى الأمارتين، أو تتعادلا، فالأول مسلم بامتناع الاجتهاد فيه، والثاني: فلا مانع من أن يكون بمنزلة ورود الشارع بالتخيير، كما في خصال الكفارة، أو كما في التخيير بين أربع حقائق، أو خمس بنات لبون، في زكاة مائتين من الإبل. [4]
القول الثاني: يجوز تعادل الأمارتين، ويكون المجتهد مخيرًا في الأخذ بأي الحكمين شاء، وبه قال: جمهور الحنفية والمالكية، والشافعية [5] . واختاره الجبائي وابنه من المعتزلة [6] .
(1) التمهيد لأبي الخطاب: 4/ 349.
(2) المصدر نفسه.
(3) ينظر: الإحكام للآمدي: 4/ 424-425؛ التمهيد: 4/ 315.
(4) ينظر: الإحكام للآمدي: 4/ 425.
(5) أصول السرخسي: 2/ 13 - 14؛ فواتح الرحموت: 2/ 189؛ بيان المختصر: 2/ 820؛ مختصر ابن الحاجب: 2/ 310؛ البحر المحيط: 6/ 114؛ التبصرة: ص510؛ الإحكام للآمدي: 4/ 424؛ المحصول: 2/ 440؛ حاشية العطار: 2/ 400؛ المستصفى: 2/ 379؛ المسودة: ص397؛ التمهيد: 4/ 349؛ شرح الكوكب المنير: 4/ 608؛ تيسير الوصول إلى علم الأصول: ص213، حافظ ثناء الله الزاهدي، دار ابن حزم؛ الطبعة الثانية، 1418 - 1997م.
(6) ينظر: المعتمد: 2/ 853؛ التمهيد: 4/ 424.