واستدلوا أيضا بأن إحداث دليل آخر لا يكون خرقًا لإجماعهم لأنه قد يكون على الشيء أدلة فيجوز أن يستدلوا بدليل ثم أخر يدل على الحكم أيضًا، قالوا: إنما الإجماع والاختلاف في الفتوى، أما الدلالة فلا يقال إجماع لأن الأدلة لا يضر اختلافها. [1]
القول الثاني: لا يجوز إحداث دليل أو تأويل آخر ويكون الإجماع الأول على الدليل لا على الحكم، وهو ما ذهب إليه جماعة من الشافعية. [2]
واستدلوا على ذلك بعدة أدلة نذكر أهمها:
أولًا: استدلوا بقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه} [3] فدل على أنهم يأمرون بكل معروف لأجل لام الجنس، فلو كان الدليل الثاني من المعروف لأمروا به.
وأجيب عليه: بأن قوله تعالى: {وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} يقتضي أن ينهون عن كل منكر لأجل لام الجنس، فلو كان الدليل أو التأويل الثاني من المنكر لوجب أن ينهون عنه فتقابلا. [4]
ثانيًا: قالوا بأنه لو جاز أن يغيب عن أهل العصر الأول الدليل الثاني جاز أن يوحي الله سبحانه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - دليلين على حكم واحد فيبين أحدهما في الدلالة على الحكم ولم يبين الآخر.
وأجيب عليه بأنه جمع بغير علة، وذلك كأن يوحي إليه بدليل بعد دليل فإذا بين الحكم عقب الدليل الأول فإنه جائز لأنه لم يكن سواه حين بيان الحكم ويكون ورود الدليل الثاني تأكيدًا للأول، وإن كان أوحى إليه بالدليلين معًا فلا بد من فهمهما معًا فلا يجوز أن يدعوه أحدهما إلى تبين الحكم دون الآخر لأن في ذلك رفضًا لأحد الدليلين. [5]
(1) البحر المحيط: 4/ 538؛ وقد قال الرازي في المحصول: 2/ 76، إن الناس يستخرجون في كل عصر أدلة وتأويلات جديدة ولم ينكر عليهم أحد فكان ذلك إجماعًا.
(2) وحكاه عنهم ابن القطان من الشافعية، البحر المحيط: 4/ 539؛ لب الأصول: 109؛ الإحكام للآمدي: 1/ 231؛ إرشاد الفحول: 1/ 410.
(3) آل عمران: من الآية110.
(4) التمهيد لأبي الخطاب: 3/ 319.
(5) المصدر نفسه وينظر أدلة هذا القول والإجابة عليها هي بيان المختصر 1/ 334 - 335؛ الإحكام للآمدي: 1/ 231 - 232؛ إرشاد الفحول: 1/ 410؛ شرح الكوكب المنير: 2/ 269؛ العضد على ابن الحاجب: 123 - 124.