وقد اعترض على هذا القول بأن هذه الصيغة قد توجد ولا يقصد بها الأمر بالاتفاق، فقد تعني التهديد، ومنه قوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [1] والإباحة كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [2] وغير ذلك من المعاني المقصودة من هذه الصيغة. [3]
ويجاب عليه بأن العلو المعتبر في الأمر يصرف إلى الدعاء أو الالتماس وغير ذلك من المعاني إذا دل عليه دليل صارف.
وأجيب عليه أيضًا بما ساقه أصحاب القول الأول من أدلة في عدم اعتبار العلو والاستعلاء في الأمر.
القول الثالث: يعتبر فيه الاستعلاء دون العلو، ورجحه بعض الأصوليين من الحنفية والقرافي [4] وابن الحاجب من المالكية، والآمدي من الشافعية، وعليه بعض الحنابلة. [5]
واستدلوا على قولهم بأن العقلاء يذمون الأدنى إذا أمر الأعلى، وهذا يدل على انتفائها في الأمر، ولو صح لما صح ذمهم، وأيضًا لو لم يكن الاستعلاء معتبر لما توجه الذم إلى الأمر.
واحتجوا أيضًا بأن من صدر منه الأمر برفق لا يقال له أمر ومع الاستعلاء، ويقال له ذلك. [6]
ونوقش هذا بأن الذم إذا كان لمجرد الاستعلاء فإنه غير متحقق في أوامر الله تعالى. [7]
(1) فصلت: من الآية 40.
(2) المائدة: من الآية 2.
(3) ينظر: الإحكام للآمدي: 2/ 362.
(4) أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن أبو العباس شهاب الدين الصنهاجي القرافي، من علماء المالكية وهو مصري المولد والمنشأ والوفاة، له مصنفات في الفقه والأصول، منها: كتاب الفروق والذخيرة في فقه المالكية. الأعلام: 1/ 90.
(5) ينظر: مثل ابن عبد الشكور وصدر الشريعة من الحنفية، مسلم الثبوت: 1/ 369؛ التنقيح في أصول الفقه: 1/ 281 - 282؛ شرح تنقيح الفصول: 62 - 63؛ الإحكام للآمدي: 2/ 365؛ شرح الكوكب المنير: 3/ 10.
(6) ينظر: مسلم الثبوت: 1/ 369؛ شرح تنقيح الفصول: 63؛ الإحكام للآمدي: 2/ 365؛ نهاية السول: 2/ 227.
(7) نهاية السول: 2/ 236.