واستدلوا على قولهم بما يأتي:
أولًا: من القرآن الكريم: بما حكاه الله تعالى عن قول فرعون لقومه: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [1] فأطلق الأمر على ما يقولونه في مجلس الشورى، وهنا انتفى العلو والاستعلاء، أما العلوَّ فإن فرعون كان أعلى رتبة منهم وجعلهم آمرين له، وأما انتفاء الاستعلاء فهم لم يكونوا مستعلين عليه بل كانوا يظنون به ربًا يأمرهم وينهاهم. [2]
ثانيًا: استدلوا بما جاء في لغة العرب من أمر الأدنى للأعلى وبعكسه، ولم يفهم منه علوٌ ولا استعلاء، ومن ذلك قول دريد بن الصمة [3] :
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحىلغد. [4]
وقال الآخر مخاطبًا يزيد بن المهلب أمير خراسان والعراق:
أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإرادة نادمًا. [5]
القول الثاني: يعتبر فيه العلو دون الاستعلاء، وبه قال بعض الأصوليين من الحنفية [6] والشافعية [7] وابن عقيل [8] من الحنابلة ونسبه إلى المحققين. [9]
وقال لا يصدق الأمر إلا به، وذلك بأن يكون الطالب أعلى رتبة من المطلوب منه فإن كان مساويًا له فهو التماس، وإن كان دونه فهو دعاءٌ أو سؤال.
(1) الأعراف: من الآية 110.
(2) ينظر: مسلم الثبوت: 1/ 364؛ الإبهاج: 2/ 7؛ الكاشف عن المحصول: 3/ 103.
(3) هو دريد بن الصمة الجشمي البكري، من هوازن، ومن الشعراء المعمرين في الجاهلية، أدرك الإسلام ولم يسلم، قتل على دين الجاهلية في غزوة حنين سنة (8 هـ) ، الأغاني: 10/ 3468، ألفه أبو الفرج الأصبهاني علي بن الحسين بن محمد القرشي، توفي سنة (356هـ) ، تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الشعب-القاهرة.
(4) الأغاني: 10/ 3473.
(5) حماسة البحتري: 173.
(6) أصول الجصاص: 2/ 77 - 78.
(7) مثل أبو إسحاق الشيرازي: شرح اللمع: 1/ 199؛ ابن السمعاني في القواطع: 1/ 153؛ المحلي على جمع الجوامع: 1/ 581؛ المحصول: 1/ 198؛ الكاشف عن المحصول: 3/ 103.
(8) هو علي بن عقيل بن محمد بن أحمد البغدادي، كنيته أبو الوفا، كان فقيهًا أصوليًا واعظًا متكلمًا، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، من مؤلفاته: الواضح في أصول الفقه، توفي سنة (513هـ) . الفتح المبين: 2/ 12 - 13.
(9) ينظر: الواضح في أصول الفقه: 20/ 450 - 457.