العلم بأنها شرعت لانتفاعنا، فإن الاصطياد في قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [1] إنما هو لنفعنا، وكذلك المال في بقية ما ذكر من أحكام. [2]
وهذا يعني أن عرف الشارع ليس جارٍ في كل حظر جاء بعده أمر، بدليل قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [3] وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي عنك الدم وصلي ) ) [4] فامتنع حدوث العرف الذي يدَّعيه القائل بالإباحة. [5]
وقد أجيب بأن هذه الأحكام لم يدل على إباحتها سوى هذه الألفاظ، ولا يجوز أن يقال بأن الإجماع هو الدليل لأن الإجماع حادث بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - والإباحة استفيدت من هذه الألفاظ. [6]
ثانيًا: عرف العادة في خطاب الناس يقتضي أن الأمر بعد الحظر للإباحة، كما إذا قال السيد لعبده لا تدخل بستان فلان ولا تجب دعوته، ثم قال له بعد ذلك ادخل واحضر فإن هذا يدل على أنه أباح للعبد الدخول وإجابة الدعوة ولم يأمره بذلك. [7]
و نوقش هذا بأن المنع في الشريعة يكون في الألفاظ لا في العادات والأعراض إذ أن الأعراض لا يمكن الوقوف عليها فوجب الرجوع إلى حقائق الألفاظ الشرعية، والعادات مختلفة فلا يرجع إليها وإنما يكون الرجوع إلى الألفاظ كما سبق. [8]
القول الثاني: إن صيغة الأمر بعد الحظر تكون للوجوب، وبه قال أكثر الحنفية وقسم من المالكية والشافعية والمتكلمين. [9]
(1) المائدة: من الآية 2.
(2) نهاية السول: 2/ 272 - 273؛ قواطع الأدلة: 1/ 61.
(3) التوبة: من الآية 5.
(4) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب غسل الدم، رقم (228) ، (320) ومسلم، كتاب الحيض، رقم (333) .
(5) ينظر: إحكام الفصول: ص87 - 88؛ قواطع الأدلة: 1/ 62.
(6) العدة: 1/ 177.
(7) ينظر: شرح العضد: ص175؛ العدة: 1/ 176؛ روضة الناظر وجنة الناظر: 2/ 613.
(8) ينظر: إحكام الفصول: ص88؛ قواطع الأدلة: 2/ 61 - 62.
(9) ينظر: متن التنقيح: 1/ 294؛ أصول السرخسي: 1/ 91؛ إحكام الفصول: 1/ 86.