القول الأول: صيغة الأمر بعد الحظر تقتضي الإباحة، وبه قال بعض الحنفية، وهو قول الإمام مالك وأكثر أصحابه، وهو ظاهر قول الإمام الشافعي وبعض أصحابه وعليه ابن حزم الظاهري. [1] وقد استدلوا على قولهم بما يأتي:
أولًا: عرف الاستعمال في الأوامر الشرعية يقضي بأن الأمر بعد الحظر يكون للإباحة، كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [2] وقوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا} [3] وقوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُن} [4]
وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروها ) ) [5] وقوله - عليه السلام: (( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ) ) [6] .
فهذه الأوامر التي وردت بعد الظهر حملت على الإباحة حسب ما يقتضيه الشارع، فيحمل الأمر بعد الحظر على الإباحة، كما يحمل مطلق الأمر من الأسماء على عرف الشرع في الصلاة والزكاة والصيام. [7]
وقد نوقش هذا الدليل بأن الأمثلة المذكورة إنما حكمها الإباحة كان بدليل آخر لا لأنها وردت بعد الحظر، وإضافة إلى وجود الصارف عن الوجوب وهو
(1) ينظر: أصول السرخسي: 1/ 19؛ مختصر المنتهى الأصولي والعضد عليه وحاشيتا التفتازاني والشريف الجرجاني: 1/ 175 طبع مكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة، سنة (1393) ؛ منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل: ص98، تأليف الإمام جمال الدين أبي عمرو، عثمان بن عمرو بن ابي بكر المالكي المعروف بابن الحاج، توفي سنة (646هـ) ، ط1، 1405هـ، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان؛ نهاية السول: 2/ 272؛ قواطع الأدلة: 1/ 61؛ العدة: 1/ 175 - 176؛ شرح مختصر الروضة: 2/ 612؛ الأحكام لابن حزم: مج1/ 333؛ التمهيد للأسنوي: ص265؛ المعتمد: 1/ 82.
(2) المائدة: من الآية 2.
(3) الجمعة: من الآية 10.
(4) البقرة: من الآية 222.
(5) رواه البخاري، كتاب الحيض، باب ما يؤكل من لحم الأضاحي، رقم (5570) ومسلم في كتاب الأضاحي، رقم (1974) .
(6) رواه أبو داود، كتاب الجنائز، باب في زيارة القبور، رقم (3235) والترمذي، كتاب الجنائز: 3/ 370، رقم (1054) سنن أبي داود، للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي السجستاني، المتوفى سنة (275هـ) ، تحقيق محمد محيي الدين، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 1988م؛ والنسائي، كتاب الجنائز، رقم 2032، سنن النسائي مع حاشية السيوطي السندي، للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، ت (303هـ) ، دار إحياء التراث العربي.
(7) شرح العضد: 175؛ شرح مختصر الروضة: 2/ 683؛ العدة في أصول الفقه: 1/ 175؛ شرح الكوكب: 3/ 56.