أما الجواز العقلي: فهو أن الكتاب والسنة وحي من الله تعالى على ما قال: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [1] غير أن الكتاب متلو والسنة غير متلوة، ونسخ حكم أحد الوحيين بالآخر غير ممتنع عقلًا، ولهذا فإنا لو فرضنا خطاب الشارع بجعل القرآن ناسخًا للسنة لما لزم لذاته محال عقلًا [2] .
وأيضًا إذا جاز نسخ الكتاب بالكتاب -وهما في المنزلة الواحدة- فجواز نسخ السنة بالكتاب أولى فإنه أعلى منها [3] .
القول الثاني: ذهب الإمام الشافعي (رحمه الله) إلى عدم جواز نسخ السنة بالكتاب في أصح الأقوال عنه، وقد وافقه على ذلك بعض أصحابه [4] .
قال الإمام الشافعي في كتابه الرسالة:(وهكذا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينسخها إلا سنة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو أحدث الله لرسوله في أمر سن فيه غير ما سن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسن فيما أحدث الله إليه حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي قبلها مما يخالفها، وهذا مذكور في سنته - صلى الله عليه وسلم -، فإن قال قائل: هل تنسخ السنة بالقرآن؟ قيل لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيه سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة حتى تقوم الحجة على الناس، بإن الشيء ينسخ بمثله). [5]
والمتأمل في كلام الإمام الشافعي يدرك أن السنة لها استقلالية في التشريع وأن القرآن الكريم مقدم في الاستدلال على غيره، فلا حاجة لأن ينسخ القرآن بالسنة وإنما تنسخ السنة بمثلها.
وأيضًا كأن الإمام يقول: لا تنسخ السنة إلا بالكتاب والسنة معًا، لتقوم الحجة على الناس بالأمرين معًا، ولئلا يتوهم متوهم انفراد أحدهما من الآخر، فإن الكل من الله، والأصوليون لم يقفوا على مراد الإمام الشافعي في ذلك. [6]
(1) النجم: 3/ 4.
(2) الإحكام للآمدي: 3/ 150، وينظر التمهيد: 2/ 385.
(3) شرح اللمع: 1/ 499.
(4) نقل هذا الوفاق ابن برهان - ينظر المسودة: ص205.
(5) الرسالة: ص 108، ص110.
(6) البحر المحيط: 4/ 12.