وقد أجيب عليه بأن إضمار البعض إما أن يفضي إلى الإجمال أو لا يفضي إليه، وإن كان لا يفضي إليه فقد بطل مذهب الخصم، وإن كان يفضي إلى الإجمال فلا بد من إضمار الكل حذرًا من تعطيل دلالة اللفظ. [1]
القول الثاني: إن الألفاظ التي علق فيها التحريم على الأعيان ليست مجملة، وبه قال بعض الحنفية والمالكية [2] ، وهو رأي الشافعية [3] ، والحنابلة، وبعض المعتزلة [4] .
واستدلوا على قولهم بما يأتي:
أولًا: من السنة النبوية، قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها ) ) [5] . فدل هذا على أن تحريمها أفاد تحريم جميع أنواع التصرف وإلا لم يتجه اللعن في البيع [6] .
ثانيًا: استدلوا باللغة، حيث قالوا: إن كل من اطلع على عرف أهل اللغة ومارس ألفاظ العرب لا يبادر إلى فهمه إذا سمع قول القائل لغيره: حرمت عليك الطعام والشراب، وحرمت عليك النساء سوى تحريم الأكل والشرب من الطعام والشراب، وتحريم وطء النساء، والأصل في كل ما يتبادر إلى الفهم أن يكون حقيقة، ولهذا كان الإجمال منتفيًا في قول القائل: رأيت دابة، لأنه لا يتبادر إلى الفهم إلا ذوات الأربع وهذا بعرف الاستعمال وإن كان خلاف الأصل، وإذا فهم المراد من اللفظ خرج من جملة المجمل ولحق بالمفصل. [7]
رأي الإمام سليم الرازي:
(1) المصدر نفسه: 3/ 13؛ وينظر: العدة: 1/ 332.
(2) ينظر: إحكام الفصول: ص203، 204؛ الفصول في الأصول: 1/ 174.
(3) ينظر: البحر المحيط: 3/ 462؛ الإبهاج: 2/ 208؛ الإحكام للآمدي: 3/ 12.
(4) ينظر: المدخل: ص130؛ العدة: 1/ 331؛ الإحكام للآمدي: 3/ 12، حيث نقله عن القاضي عبد الجبار والجبائي، وأبي الحسين البصري، المعتمد: 1/ 307.
(5) رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم (3201) ؛ مسلم، كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر والميتتة والأصنام، رقم (2961) .
(6) البحر المحيط: 3/ 462.
(7) الإحكام للآمدي: 3/ 12؛ إحكام الفصول: ص204.