فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 342

ومثلوا العادة الفعلية: بأن يعتاد الناس شرب بعض الدماء، فيحرم الله سبحانه وتعالى الدماء بكلام يعمها قالوا فلا يجوز تخصيص هذا العموم، بل يجب تحريم ما جرت به العادة وغيره.

وأما العادة القولية: كاسم الدابة فإنه في اللغة لكل ما دبَّ، وقد تعورف على استعماله في الخيل فقط قالوا: فمتى أمرنا الله بالدابة لشيء؛ حمل على العرف، لأنه به أحق، قالوا: وليس ذلك بتخصيص على الحقيقة، وإنما هو تخصيص بالنسبة إلى اللغة [1] .

رأي الإمام سليم الرازي:

يرى سليم الرازي أن العادة لا تخصص، وقال: لا يجوز التخصيص بالعادة، مثل أن يرد خبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيع أو غيره وعادة الناس تخالفه، فيجب الأخذ بالخبر وإطراح تلك العادة، لأن الخبر إنما يرد لنقل الناس عن عادتهم فلا يترك بها. أ. هـ. وهو بهذا يوافق ما ذهب إليه أصحاب القول الأول. [2]

الرأي الراجح:

يبدو لي أن الرأي الراجح فيما يخص العادة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها عادة تخص العموم لإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - أما إذا لم تكن العادة معروفة، في زمنه وعارضت نصًا عامًا، فإن كانت فعلية، فلا تخصصه وإنما يجرى النص على عموم. وإن كانت عادة قوليه، فيعتمد عليها في تخصيص النص العام. قال القرافي المالكي: (العوائد القولية تؤثر في الألفاظ تخصيصًا ومجازًا وغيره بخلاف العوائد الفعلية) [3]

الفرع الثالث: التخصيص بمفهوم المخالفة

مفهوم المخالفة: هو دلالة اللفظ على ثبوت نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه. مثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبيث ) ) [4] ، خص بمفهومه وهو الذي لم يسيغ القلتين. عموم قوله - صلى الله عليه وسلم: (( الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه ) ) [5] ، فإنه أعم من القلتين، وما لم يبلغهما يصير تنجس القلتين في الحديث الأول مخصوصًا بالتغير بالنجاسة، ويبقى ما دونهما ينجس بمجرد الملاقاة في غير المواضع المستثناه بدليل آخر. [6]

وقد اختلف العلماء في جواز التخصيص بالمفهوم بناء على اختلافهم في اعتباره دليلًا شرعيًا أو عدم اعتباره، فمن اعتبره دليلًا قال بأنه يخص العموم، ومن لم يعتبره دليلًا شرعيًا، قال: بأنه لا يخص العموم. كما يأتي:

القول الأول: لا يخص العموم بمفهوم المخالفة وبه قال: جمهور الحنفية [7] ، وبعض المالكية [8] ، والشافعية [9] ، والحنابلة [10] ، وإليه ذهب ابن حزم الظاهري [11] .

واستدلوا: بأن العموم نطق، ودليل الخطاب مفهوم من النطق، فكان النطق أولى بالاحتجاج به، وقد أجيب بأن المفهوم دليل شرعي فجاز التخصيص به. [12]

واستدلوا أيضا بأن المفهوم وإن كان خاصًا وأقوى من العموم، إلا أن العام منطوق، والمنطوق أقوى في الدلالة من المفهوم، وقد أجيب بأن العام وإن كان راجحًا من حيث المنطوق إلا أنه مرجوح لعموم دلالته وخصوص دلالة المفهوم، وإذا كان كذلك فالجمع بين الدليلين أولى من إسقاط أحدهما [13] وأيضا فإن العام والمفهوم

(1) المسودة: ص123.

(2) البحر المحيط: 3/ 393.

(3) ومثل لهذا (ما إذا كان الملك لا يلبس إلا الخز ويطلق دائمًا الثوب على الخز وغيره فإذا حلف لا يلبس ثوبًا حنث بالخر وغيره، وعادته الفعلية لا تقضي على لفظه فتصيره خاصًا بالخر فلا يحنث بغيره بل يحنث بالجميع) . شرح تنقيح الفصول: ص94.

(4) رواه أبو داود: كتاب الطهارة، 1/ 51 رقم (630) ؛ سنن ابن ماجه: كتاب الطهارة، 1/ 172 رقم (517) ؛ سنن النسائي: 7/ 46، 175؛ والترمذي: كتاب الطهارة، رقم (67) .

(5) رواه أبو داود: رقم (67) ؛ والترمذي رقم (66) ؛ تلخيص الحبير: 1/ 13؛ سنن ابن ماجة: 1/ 174 كتاب الطهارة وسننها رقم (531) .

(6) ينظر شرح الكوكب: 3/ 368؛ الإبهاج: 20/ 180.

(7) ينظر: كشف الأسرار: 3/ 256؛ ميزان الأصول: 1/ 445. (تحقيق، أصول السرخسي:1/ 255)

(8) ينظر: مفتاح الوصول: 91، ونقله الزركشي عن الإمام مالك. البحر المحيط: 3/ 383؛ إحكام الفصول: 2/ 515.

(9) مثل الغزالي في المنخول: 215؛ والرازي في المحصول: 1/ 440.

(10) شرح الكوكب: 3/ 369؛ المسودة: ص127.

(11) الإحكام لابن حزم: مج 2/ 335.

(12) المحلي على جمع الجوامع: 2/ 46؛ البحر المحيط: 3/ 383.

(13) ينظر: بيان المختصر: 2/ 577؛ الإبهاج: 1/ 180؛ المحصول: 1/ 440.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت