إذا ورد لفظ عام بتحريم البيع مطلقًا، وعادة الناس التعامل بنوع منه. أو أن تكون العادة جارية بفعل معين كأكل نوع من الطعام مثلًا، ثم نهاهم - صلى الله عليه وسلم - عن تناوله بلفظ يحتمله ويحتمل غيره، فهل تكون تلك العادة مخصصة للفظ العام. اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إن العادة إذا كانت معروفة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - صح التخصيص بها والمخصص هنا هو تقرير الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأما مطلق العادة فإنها لا تخصص العموم. وبه قال بعض المالكية [1] وهو مذهب جمهور الشافعية [2] ، وكثير من الحنابلة. [3]
واستدلوا على قولهم بعدة أدلة منها:
أولًا: إن الحكم بتعلق باللفظ، فوجب أن يحمل على جميع ما يصلح له أخذًا بالعموم. فإن قيل: أليس الاسم يخص بالعرف، مثل اسم الدابة ونحوها إذا أطلق فيفعل هذا في الحكم أيضًا.
وقيل: إن عرف الاستعمال هناك مقارن للفظ، فيصير ذلك هو اللغة الجارية، وهذا معدوم ها هنا، مع أن اسم الدابة عام في غير المتعارف مجازًا. [4]
ثانيًا: الحجة في لفظ الشارع وهو العام، فلا يجوز تخصيصه إلا بدلالة، والعادة ليست دلالة، لأن الناس يعتادون القبيح كما يعتادون الحسن. فإن قيل أن العادة تدل على أن الأصل إباحة ذلك فكانت حجة، أجيب بأن الأصل إنما يعرف طريقه من الشرع، لا من عرف الناس. [5]
(1) ينظر: بيان المختصر: 2/ 580؛ لباب المحصول في علم الأصول: 2/ 586.
(2) مثل: البيضاوي في الإبهاج: 2/ 180 - 181؛ والرازي في المحصول: 1/ 451 - 452، وشبه ابن السمعاني للأصحاب، قواطع الأدلة 1/ 193؛ والآمدي نسبة للجمهور، الأحكام: 2/ 534؛ المحلي على جمع الجوامع: 2/ 51.
(3) ينظر: العدة: 1/ 370؛ التمهيد: 2/ 158؛ شرح الكوكب: 3/ 387، 388؛ الواضح لابن عقيل: 3/ 406.
(4) العدة: 1/ 370؛ وينظر البحر المحيط: 3/ 392.
(5) التمهيد: 2/ 158؛ البحر المحيط: 3/ 392.