أصدقُ ـ لا تواضعًا بل اعترافًا ـ أنني لم يكن لي أدنى فضل في كتابة أي كلمة من كل ما ستقرأه والله ـ أخي وحبيبي في الله ـ؛ وإنَّما أنا فقط أقرأ وأكتب ما قرأتُ، أجمع وأرتب، فكل عملي قطف الزهور، وتعبئة الزاد، والتنسيق بين هذا وذاك، ثم هو لك معين، فخذها هنيئًا مريئًا، ولتحسن نيتك في الأخذ، عساك أن ينفعك بها ربك فيرفعك مقامًا عليًا.
عملي في هذا البحث: هو جمع أقوال علمائنا ومشايخنا جزاهم الله خيرًا والتأليف بينها، وعرضها بأسلوب يسهل قراءته وفهمه إن شاء الله تعالي.
وما توصلت إليه من خلال بحثي؛ هو أن قراءة الفاتحة للمأموم ركن تبطل الركعة بتركه، وهو ليس بقول مُحدث؛ بل قد ذهب إليه بعض العلماء وكثير من مشايخنا في عصرنا هذا؛ أمثال العلامة ابن باز والعثيمين رحمهما الله، والعلامة ابن جبرين والفوزان ومحمد المختار الشنقيطي حفظهم الله، ومشايخنا محمد بن عبد المقصود ومحمد المقدم والسيد سابق وعادل العزازي وكمال بن السيد سالم وغيرهم بارك الله فيهم جميعًا ونفعنا بعلمهم؛ وسوف تري أن الأدلة القائلة بركنية قراءة الفاتحة للمُصلي علي أي حال أدلة قوية جدًا يترجح بها هذا القول إن شاء الله. والله أعلم.
قال النووي:"والذي عليه جمهور المسلمين القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية، قال البيهقي: وهو أصح الأقوال علي السنة وأحوطها".
وهذه المسألة اختلف العلماء-رحمهم الله- فيها سلفًا وخلفًا، حتى اختلف فيها أصحاب النبي-?- و -رضي الله عنهم أجمعين-، ومن هنا لما سُئل الإمام القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق -رحمه الله برحمته الواسعة- عن القراءة وراء الإمام قال:"إن قرأت فلك سلف، وإن سكت فلك سلف"، أي من قرأ وراء الإمام فله سلف، ومن ترك القراءة وراء الإمام فله سلف، هذا إن لم يتبين لك بالأدلة الصحيحة الصريحة قولًا من الأقوال وإلا فقد أخرج البيهقي بإسناد صحيح عن الشافعي أنه قال: اجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس.
ونسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه وألا يجعل الحق ملتبسًا علينا فنضل .. ونسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم وأن يجعله ذخرًا لصاحبه يوم يأتيه؛ إنه نعم المولي ونعم النصير، اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
هذا وقد ألف في هذا الموضوع بعض العلماء والأئمة، كل ينتصر للقول الذي يراه قريبًا، أو أشبه بسنة النبي-?-؛ والسبب في هذا الاختلاف: أنه وردت عن النبي-?- أحاديث تدل دلالة واضحة على أنه يجب على الإنسان أن يقرأ الفاتحة في صلاته، وأنه لا تصح الصلاة بدون قرأتها، ولم يستثن النبي-?- في أكثر هذه الأحاديث الصلاة مع الإمام، ووردت أحاديث أخر تدل على أن المنبغي على المأموم وراء الإمام أن ينصت ولا يقرأ، فنظرًا لورود الأحاديث والآثار على هذين الوجهين المختلفين اختلف الأئمة-رحمهم الله- في هذه المسألة.
وتوسط بعض السلف والأئمة-رحمهم الله- فقالوا قولًا ثالثًا في المسألة، فقالوا: إذا كانت الصلاة جهرية فإنه لا يقرأ، وإذا كانت الصلاة سرية فإنه يجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة (أعني أم الكتاب) وهذه المسألة تتحصل فيها الأقوال على هذا الوجه-أعني ثلاثة أقوال-:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)