فالإسلام هو العاصم عن إباحة دم الإنسان في الأصل، وأما غيره من الأسباب التي تمنع من قتل غير المسلم فهي أسباب طارئة تنتهي بانتهاء غايتها.
والمسلم نفسه متى ترك الإسلام عاد للحال التي كان عليها من حِل الدم والمال، بل هو أشد؛ لأن ضرره أعظم، ولأنه قد قامت عليه من الحجّة ما هو أبلغ من غيره.
وشيخ الإسلام ابن تيمية ذكر بعض أسباب القتل وكان منها: الكفر، وبيّن أن من الفقهاء من جعل نفس الكفر مبيحًا للدم، ومنهم من جعله وجود الضرر منه أو عدم النفع فيه، قال بعد ذلك: (أما المرتد فالمبيح عنده هو الكفر بعد الإيمان، وهو نوع خاصٌّ من الكفر؛ فإنّه لو لم يُقتَل لكان الداخل في الدين يخرج منه؛ فقتله حفظ لأهل الدين والدين؛ فإنّ ذلك يمنع من النقص ويمنعهم من الخروج عنه، بخلاف من لم يدخل فيه؛ فإنّه إن كان كتابيًا فقد وجد إحدى غايتي القتل في حقّه وإن كان وثنيًا .. ولم يمكن استرقاقه ولا أخذ الجزية منه بقي كافرًا لا منفعة في حياته لنفسه؛ لأنه يزداد إثمًا، ولا للمؤمنين؛ فيكون قتله خيرًا من إبقائه) [33] .
إذا تقررت هذه القاعدة من أن أكبر عاصم لمال الإنسان ودمه هو الإسلام؛ فإننا نعلم أن خروج الإنسان عن الإسلام بعده رافع لهذه العصمة، ولذا جاء الشرع في نصوص كثيرة جدًا تبيّن حد المرتد وأنّه القتل.
فمنها قوله - تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} (التوبة: 74) فبين -تعالى - أن من كفر بعد إسلامه إن تاب كان خيرًا له، وإلا يعذّب عذابًا أليمًا في الدنيا والآخرة، وعذابه في الدنيا هو الحد.
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: ( .. ولكونهم أظهروا الكفر والردة، لهذا دعاهم إلى التوبة فقال: {فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا} (التوبة: 74) عن التوبة {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} (التوبة: 74) وهذا لمن أظهر الكفر فيجاهده الرسول بإقامة الحد والعقوبة) [34] .
وقال ابن الجوزي: (قوله تعالى: [وَإِن يَتَوَلَّوْا] (التوبة: 74) أي يُعرِضوا عن الإيمان {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ] (التوبة: 74) بالقتل وفي الآخرة بالنار} [35] .
وقد أمر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - في نصوص نبويّة كثيرة .. فمنها: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من بَدّل دينه فاقتلوه» [36] .
و عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: كنت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسًا إذ دخل رجلان وافدين من عند مسيلمة، فقال لهما رسول الله: «أتشهدان أني رسول الله؟» فقالا له: أتشهد أنت أن مسيلمة رسول الله؟ فقال: «آمنت بالله ورسله؛ لو كنت قاتلًا وافدًا لقتلتكما» [37] .
وجاء من حديث نعيم بن مسعود الأشجعي: «أما والله لولا أنّ الرسل لا تُقْتَل لضربت أعناقكما» [38] .
وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: «ارتدت امرأة عن الإسلام فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعرض عليها الإسلام وإلاّ قُتلت، فعرضوا عليها الإسلام فأبت إلا أن تقتل، فقُتلت» [39] .
وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل ابن خَطَل وقد كان مسلمًا ثم ارتد مشركًا [40] .
وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» [41] .
وروت عائشة - رضي الله عنها - مثله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - [42] .
وعن عثمان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس» [43] .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)