ومن هنا يأتي تفسير ظاهرة ارتباط الحروب الصليبية -تاريخيًّا- بظاهرة الإقبال التاريخي من جانب النصارى على الإسلام .. والحرب القائمة دليل على هذا التفسير ..
كما يأتي الدافع المادي، باعتبار أن الدنيا هي أحد عوامل التحريف، وأحد المحركات الأساسية للكافرين عمومًا والنصارى خصوصًا.
ففي الحملات الصليبية المبكرة كان الباباوات يحرِّضون العامة على حرب المسلمين بقولهم: (إن أرض الشرق تفيض لبنًا وعسلًا .. ) ، وحديثًا يحل النفط والثروات الطبيعية محل اللبن والعسل؛ ليكون هو المحرك الأساسي للحملات الصليبية الحديثة على بلاد المسلمين التي خصها الله بالنصيب الوافر منه .. !
وذلك كله مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير؛ ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) (2) ، ولكن يجب أن يكون مفهوما أن «اللبن والعسل» قديمًا و «النفط» حديثًا لم تكن هدفًا إلا باعتبارها وسائل للحرب على العقيدة الإسلامية .. وهي الهدف الأساسي.
ولكن المخططات تبطل بقدر الله وحده {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم: 46] وهذا النص القرآني يعالج البعد القدري للصراع؛ لنعلم أن مستقبل الصراع بيد الله وحده، محكوم بقدر الله وسننه الثابتة.
ونتيجة لذلك تبرز ضرورة أن يكون لنا تصور عام متفق عليه لإدارة المواجهة، وأن نتعاون في إطار هذا التصور في جمع المعلومات المتعلقة بالحملة الصليبية، وأن نتعاون في جمع كل الشبهات المثارة من جانب هذه الحملة والرد عليها، بحيث يكون هناك نوعٌ من تبادل الخبرات والمهارات في مواجهة عدو يتسلح بأحدث العلوم النفسية والاجتماعية والتقنية، ويتمتع بأكبر دعم سياسي واقتصادي ومعلوماتي، ويستخدم أحط الأساليب وأخبثها.
ولقد مرت المواجهة الفكرية مع النصرانية المحرَّفة عبر مجموعة من المراحل، تطور فيها الخطاب النصراني متأثرًا بعاملين اثنين:
الأول: حال الأمة الإسلامية من حيث القوة والضعف.
الثاني: الخبرات التي اكتسبها النصارى من تجاربهم السابقة.
وكان أخطر أساليبها التسلل لإفساد العقيدة من خلال ترجمة النصارى -العاملين ببلاط الخلافة العباسية- للفلسفة اليونانية، وإغراء الحكام والسلاطين بها، والتسبب في ظهور الفرق المبتدعة نتيجة المناظرة والطعن في الدين على أساس المنطق اليوناني والفلسفة الأفلاطونية.
وانتهاءً بمرحلة استخدام المصطلحات والنصوص الإسلامية لتمرير المضامين والمعتقدات النصرانية، لتسهيل مهمة تقبل نقائضها وخرافاتها على العقل المسلم، خصوصًا بعد أن وصل هذا العقل إلى حالة من الجهل المطبق بدينه
والملاحظة الثابتة تاريخيًّا .. أن الخطاب الفكري النصراني لا يبتعد عن الصراع السياسي والاجتماعي، بل تجده أحيانا يمهد له، وأحيانا أخرى يواكبه ويصاحبه، وذلك مع كل انكسار سياسي أو عسكري أو اجتماعي تتعرض له الأمة.
وفي كل الأحوال يظل الجدل هو الصيغة البارزة في تاريخ هذه المواجهة.
ــــــــــــــــــ
*ملحوظة هامة،هذا المقال مأخوذ من تقديم الشيخ رفاعي سرور حفظه الله لإجابات الأسئلة التي طُرحت عليه في منتدى الجامع،وقد نقلتها هنا على هيئة مقال وقمت بتخريج الأحاديث وتسمية الموضوع بهذا الاسم،والله من وراء القصد.
1 -سنن أبي داود وقال الألباني رحمه الله صحيح.
2 -قال الشيخ الألباني صحيح [سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد الثاني] ،وانظر لتخريج الحديث هذه الصفحة http://arabic.islamicweb.com/Books/albani.asp?id=10593 (http://arabic.islamicweb.com/Books/albani.asp?id=10593)
رابط الموضوع