فأجاب: المال المكسوب إن كانت عين أو منفعة (25) مباحة في نفسها، وإنما حرمت بالقصد مثل من يبيع عنبًا لمن يتخذه خمرًا، أو من يستأجر لعصر الخمر أو حملها، فهذا يفعله بالعوض لكن لا يطيب له أكله، وأما إن كانت العين أو المنفعة محرمة كمهر البغي وثمن الخمر، فهنا لا يقضى له به قبل القبض، ولو أعطاه إياه لم يُحكم برده؛ فإن هذا معونة لهم على المعاصي إذا جمع لهم بين العوض والمعوض، ولا يحل هذا المال للبغي والخمار ونحوهما، لكن يصرف في مصالح المسلمين، فإن تابت هذه البغي وهذا الخمار، وكانوا فقراء جاز أن يصرف إليهم من هذا المال مقدار حاجتهم، فإن كان يقدر يتجر أو يعمل صنعة كالنسج والغزل أعطي ما يكون له رأس مال، وإن اقترضوا منه شيئًا ليكتسبوا به ولم يردوا عوض القرض كان أحسن، وأما إذا تصدق به لاعتقاده أنه يحل عليه أن يتصدق به فهذا يثاب على ذلك، وأما إن تصدق به كما يتصدق المالك بملكه فهذا لا يقبله الله؛ إن الله لا يقبل إلا الطيب، فهذا خبيث، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( مهر البغي خبيث ) ) (26 ) ) (27)
فهنا يلاحظ أن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يفتِ بملكية هذا المال الخبيث مع كونها قد تابت وحافظت على حدود الله، بل قال: (ولا يحل هذا المال للبغي والخمار ونحوهما، لكن يصرف في مصالح المسلمين) وسبق بيان رأي شيخ الإسلام ابن تيمية في القول الأول أن من تاب على أموال محرمة قبضها في حال الفسق أنه يملكها.
ومن هنا يظهر أن بين الموضعين إشكالًا يحتاج التفريق بينهما إلى ضابط ظاهر، على أن شيخ الإسلام نفسه ذكر في (تفسير آيات أشكلت) حكم مهر البغي ... بعد أن قرر أن التائب يملك المال المحرم فقال: (قد يقال: لا يكون(28) لواحد منهما، كما لو كان ثمن خمر، أو مهر بغي أو حلوان كاهن، فإن هذا إذا تاب لايعيده إلى صاحبه، بل يتصدق به في أظهر قولي العلماء) (29) .
ثم عاد بعد ذلك مخالفًا لكلامه هذا فقال: (وأما مع العلم بالتحريم فيحتاج إلى نظر، فإنه قد يقال: طَرْدُ هذا أن من اكتسب مالًا من ثمن خمر مع علمه بالتحريم، فله ما سلف، وكذلك كل من كسب مالًا محرمًا، ثم تاب إذا كان برضا الدافع، ويلزم مثل ذلك في مهر البغي، وحلوان الكاهن، وهذا ليس ببعيد عن أصول الشريعة، فإنها تفرق بين التائب وغير التائب ... ) (30) .
الموضع الثاني:
في اقتضاء الصراط المستقيم: قال (نعم، البغي والمغني والنائحة ونحوهم إذا أعطوا أجورهم، ثم تابوا، هل يتصدقون بها أو يجب أن يردوها على من أعطاهموها؟ فيها قولان: أصحهما أنا لا نردها على الفساق الذين بذلوها في المنفعة المحرمة، ولا يباح الأخذ بل يتصدق بها وتصرف في مصالح المسلمين كما نص عليه أحمد في أجرة حمل الخمر) (31) . فهنا أفتى بالتصدق به ولم يفت بملكيته بعد توبتهم.
الموضع الثالث:
في مجموع الفتاوى قال: ( ... كما لو تراضيا بمهر البغي، وهناك يتصدق به على أصح القولين لا يعطى للزاني، وكذلك في الخمر ونحو ذلك مما أخذ صاحبه منفعة محرمة فلا يجمع له العوض والمعوض، فإن ذلك أعظم إثمًا من بيعه، وإذا كان لا يحل أن يباع الخمر بالثمن فكيف إذا أُعطي الخمر وأعطي الثمن، وإذا كان لا يحل للزاني أن يزني وإن أعطى فكيف إذا أعطي المال والزنا جميعًا، بل يجب إخراج هذا المال كسائر أموال المصالح المشتركة، فكذلك هنا إذا كان قد باع السلعة وقت النداء بربح وأخذ سلعته فإن فاتت تصدق بالربح، ولم يعطه للمشتري فيكون أعانه على الشراء، والمشتري يأخذ ثمنه ويعيد السلعة، فإن باعها بربح تصدق به، ولم يعطه للبائع فيكون قد جمع له بين ربحين) (32) وهنا أمر بإخراج هذا المال المحرم ولم يفت بملكيته بعد التوبة.
الموضع الرابع:
في مجموع الفتاوى (سئل رحمه الله تعالى عن خياط خاط للنصارى سير حرير فيه صليب ذهب فهل عليه إثم في خياطته وهل تكون أجرته حلالا أم لا؟
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)