ـ [أبو يوسف التواب] ــــــــ [15 - 08 - 07, 12:03 ص] ـ
كتاب (الصيام)
الصيام لغة: الكف والإمساك.
وشرعًا: إمساك بنية عن أشياء مخصوصة من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس.
وكان فرضُه في السنة الثانية للهجرة، في شعبان .. فصام النبي r تسع رمضانات إجماعًا.
* مسألة: حكم صيام رمضان:
وهو ركن من أركان الإسلام الخمسة؛ فمن أنكر فرضيته كَفَر لتكذيبه القرآن ما لم يكن ممن يُعذر بجهله كناشئٍ ببادية لم تبلغه الأحكام، ومن أفطر يومًا منه تهاونًا أو كسلًا فهو شر من الزاني ومدمن الخمر كما قرر ذلك أهل العلم. وأدلة فرضيته معلومة.
· من فضائله:
-قال الله تعالى كما جاء في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضِعف، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) . وذلك _والله أعلم_ لأن الصوم سر بين العبد وبين ربه، بخلاف بقية العبادات فإنها غالبًا ما تظهر أمام الناس. قال الحافظ ابن عبد البر: (كفى بقوله:"الصوم لي"فضلًا للصيام على سائر العبادات) .
-عن سهل بن سعد عن النبي r قال: (إن في الجنة بابًا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد) متفق عليه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (يجب صيام رمضان على كل مسلم، بالغ، عاقل، قادر على الصوم) .
قوله (مسلم) : يُخرج الكافر أصليًا كان أو مرتدًا.
وقوله (بالغ) : يخرج الصبي غير البالغ.
وقوله (عاقل) : يخرج المجنون والمخلط في عقله حال التخليط.
وقوله (قادر على الصوم) : يخرج العاجز عنه.
فيجب الصوم على المقيم والمسافر، والصحيح والمريض، والطاهر والحائض، والمغمى عليه فإنه عليهم في ذممهم؛ فهم داخلون فيما ذكرناه آنفًا [1] ( http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=34#_ftn1) .
ويجب صوم رمضان -عند الحنابلة- بأحد ثلاثة أشياء:-
1 -رؤية هلال رمضان: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) .
2 -كمال شعبان: (فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) .
3 -وجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يمنع الرؤية؛ فيجب الصوم عند أحمد في المشهور من مذهبه؛ لحديث: (فإن غم عليكم فاقْدروا له) بمعنى ضيِّقوا عليه، ولا يحصل ذلك إلا بالاحتياط للعبادة بصوم ذلك اليوم.
والصواب قول الجمهور: أنه لا يجب صومه، ويفسَّر قوله:"فاقدروا له"بما جاء في رواية البخاري: (فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) .
فإن قيل: قد نهى النبي r عن صيام يوم الشك، فكيف أوجب الحنابلة صومه؟
فالجواب: أنَّ يوم الشك عندهم ـ في المشهورـ هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء صحوًا، وليس إذا حصل مانع من الرؤية. والصواب قول الجمهور كما تقدم، والله تعالى أعلم.
مسألة:إذا رأى الهلال عَدْل واحد صام الناس بقوله؛ لقول ابن عمر t: تراءى الناسُ الهلال فأخبرت النبي r أني رأيته فصام، وأمر الناس بصيامه.
ولا يفطرون إلا بشهادة عدلين عند الجمهور، وحكي إجماعًا إلا أنه قد ذكر فيه خلاف شاذ.
مسألة:إذا رأى الهلال وحده صام، ولا يفطر إذا رأى هلال شوال وحده.
*مسألة:هل رؤية البلد الواحد رؤية لسائر البلدان؟
القول الأول: أنه إذا رؤي الهلال في بلد لَزِم جميعَ المسلمين الصوم، وهو مذهب الجمهور.
-لحديث: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) والخطاب لعموم المسلمين.
القول الثاني: إن كان البلَََدان متقاربين وجب الصوم على أهلهما، وإلا فلا صوم إلا على من رآه، وفيما يُحَدُّ به البُعد والقُرب أقوال، وأشهرها: أن التقارب بأن لا تختلف المطالع للبلدين، والتباعد باختلافها. وهو قول الشافعي، واختيار شيخ الإسلام.
-لحديث: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) ، والخطاب فيه نسبي لمن رآه ولا يعم.
-ولحديث كريب عند مسلم، وفيه حكاية لعمل السلف وعدم اعتمادهم على رؤية غيرهم.
-ولدلالة الواقع على اختلاف المطالع؛ فقد يكون فرقٌ في التوقيت بين بلدين بما يقارب اليومين.
وقد يقال: إنّ حديث كريب ورد فيمن صام على رؤية بلده ثم بلغه في أثناء نهار رمضان رؤية الهلال في بلد آخر قبله، فعندئذ يصوم مع أهل بلده حتى يروا هلالهم، أو يكملوا ثلاثين يومًا.
والأظهر-والله أعلم- هو القول الثاني؛ لدلالة الحس والواقع عليه مؤيَّدًا بحديث كريب، وتبقى المسألة محل اجتهادٍ ونظر، فلا ينبغي أن تهوَّل ويُتَّهَم أهل العلم بسببها، ولا يصح القول بأن اختلاف البلدان في ابتداء الصوم والفطر من النزاع الذي يمنع وحدة الأمة ويباعد بينها؛ فلو عمل كلٌّ من المسلمين بما يعتقد أنه الشرع مع حُسن الظن بأخيه الذي يعمل بخلاف قوله لكان ذلك مما يؤلف اللهُ تعالى به بينهم ويجمع به كلمتهم؛ لأن كلًا منهم يبتغي مرضات الله سبحانه وتعالى. إلا أنه لا ينبغي لأهل المحلة الواحدة أن يُظهروا الاختلاف في ذلك، فعلى أهل الحل والعقد منهم أن يجتمعوا على كلمة سواء. والله المستعان.
*مسألة:لا يجوز اعتماد الحساب الفلكي لإثبات دخول الشهر أو خروجه، وقد نُقِل الإجماع على ذلك، وقد تظاهرت نصوص جماهير علماء السلف في رده وإنكاره.
مسألة: (إذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام، فإن وافق الشهر أو ما بعده أجزأه، وإن وافق قبله لم يُجزِه) كمن أدى الصلاة قبل دخول وقتها فإنها لا تجزئه.
(1) فالإغماء مثلًا لا يمنع وجوب الصوم، وإنما يمنع أداءه؛ فإذا أطبق الإغماء عليه يومًا كاملًا ولم يُفِق فيه لزمه القضاء.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)