النبي (صلى الله عليه وآله) ووقف في وجوهنا وعيده قلنا: جاءت السنة قاضية بأن النصب يوجب العطف على الوجه واليدين) (1) . ولا أدري كيف يقبل هذا الفقيه على نفسه أن الصحابة فسروا الآية بالمسح ولم يصل إليهم الوعيد، ثم وصل إلى الذين من بعدهم. فمن أين جاء هذا الوعيد الذي لم يسمع به الصحابة، ومن بينهم أخوه مولى المتقين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وحبر الامة عبد الله بن عباس (رضي الله عنه) ، وخادمه أنس بن مالك، والخليفتان عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وغيرهم ممن ثبت عنهم المسح من الصحابة وكانوا معه في تلك السفرة التي ادعوا فيها حديث التهديد والوعيد:"ويل للأعقاب"؟. ثم لا أدري كيف اهتم هذا الفقيه بحديث:"ويل للأعقاب"ولم يهتم بما ورد عن فعل النبي (صلى الله عليه وآله) وعن صحابته من المسح دون الغسل؟ وليت شعري هل أخذ ابن العربي دينه من غير هؤلاء الصحابة الذين ردوا القراءتين إلى الرأس مسحا؟. ثم نقول: على فرض صحة الرواية، يمكن المناقشة حولها إضافة إلى ما تقدم من جهات أخرى: الجهة الاولى: أن المستفاد من الجمع بين اللفظين أن ابن عمرو ومن معه من الصحابة كانوا يمسحون على أرجلهم والتهديد بالويل كان لغيرهم، لأنه جاء في اللفظ المتفق عليه: (فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا) فثبت أنهم كانوا ماسحين لأرجلهم. وجاء في لفظ مسلم: (تعجل قوم عند العصر فتوضؤوا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) :"ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء"، فثبت أن التهديد كان للقوم العجال لا للماسحين. الجهة الثانية: في سبب تهديده (صلى الله عليه وآله) بالويل. قد تقدم نظرية بعض أكابر أهل السنة في أن الموجب للتهديد كان تركهم أعقاب أرجلهم بلا مسح، ونظرية جمهور متأخريهم بأن الموجب له هو ترك الأعقاب بلا غسل.
(1) أحكام القرآن 2: 71، 72.
ولكن نقول لهم: لماذا لا يكون الأمر بالعكس؟ بتقريب أن وظيفتهم كان المسح المحدود، فاجتهدوا في مقابل النص فغسلوا أو مسحوا جميع أرجلهم حتى الأعقاب فهددهم الرسول (صلى الله عليه وآله) بقوله:"ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء"أي أسبغوه في حدوده وكما أمركم الله؟. ويؤيده ما ثبت عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال:"لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله عز وجل يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين". وغيرها من الروايات كما سيأتي إن شاء الله تعالى. فظهر أن الشارع أمرنا بإسباغ الوضوء في حد معين وهو غسل الوجه واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس والرجلين إلى الكعبين. هذا إذا كنا نتماشى مع القوم بأن المراد بالأعقاب في الخبر: أعقاب الأرجل لا الأعقاب من الرجال. والجهة الثالثة: هي أن المستفاد من اللفظ المتفق عليه غير ذلك، فإن الراوي يقول: (تخلف النبي(صلى الله عليه وآله) عنا في سفرة سافرناها) هذه السفرة كان بعيد نزول آية المائدة عند رجوعهم من مكة إلى المدينة في حجة الوداع كما قال الحافظ ابن الحجر (1) . ثم يقول الراوي: (فأدركنا وقد أرهقنا العصر) يعني أن النبي (صلى الله عليه وآله) أدركهم في حال تأخيرهم صلاة العصر إلى أن دنا وقت المغرب، فحثهم على المبادرة والمسارعة لإقامة الصلاة فنادى بأعلى صوته:"ويل للأعقاب من النار". وكرره مرتين أو ثلاث مرات، أي ويل للأعقاب الذين يؤخرون الصلاة ويقيمونها بعد مضي وقتها. كما قال مفسرو القوم حول قوله: * (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) * (2) أي غافلون، يؤخرونها عن وقتها تهاونا. قال السيوطي: أخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه والبيهقي في سننه عن سعد ابن أبي وقاص،
(1) فتح الباري 1: 213. (2) الماعون: 4 - 5.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)