وصفاته والتعبّد بها فلا تتحقق عبادة الله - تعالى - إلا بفقه أسماء الله - تعالى - وصفاته , وتحريك القلوب بالدعاء بها , قال - تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} الأعراف180.
وأما كيفية صفات الله - تعالى - وحقائقها فإنها مجهولة كما في قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} آل عمران7.
قال ابن تيمية - رادّا على أهل التأويل والتفويض:"فمن كان يرى أن الذي أمر الله به إما أن تكون الأمةُ كلها أمّيةً لا تعقل معاني الكتاب , وإما أن تكون فيها من يُحرِّفه بالتأويلات المبتدعة , فهو ممن يدعو إلى الإعراض عن معاني كتاب الله ونسيانها , ولهذا صار هؤلاء يَنْسَون معانية حقيقة , فلا يخطر بقلوبهم المعنى الذي أراده الله ولا يتفكرونه , وهذا نسيان حقيقي لمعاني كتاب الله .."جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية ص25.
وخلاصة الكتاب المذكور: هو التسويق لمذهب الأشاعرة والقائم على التلفيق والتناقض , و التأويل الفاسد , والتفويض الجاهل , وإسقاط حرمة النصوص الشرعية ومن هذا التمشعر ما حواه الكتاب من تقرير مذهب التفويض وهو عندهم (أن لنصوص الصفات معان لا يعلمها إلا الله) وإلصاق ذلك بسلف الأمة .. وهذا المذهب الرديء , من طرائق الأشاعرة , وهو من شر أقوال أهل البدع والأهواء , وقد تولى سلفنا الصالح الردّ على هذا المذهب وكشف عواره وتناقضه , كما في الفتوى الحموية والرسالة التدمرية والقاعدة المراكشية وجواب الاعتراضات المصرية لابن تيمية والصواعق المرسلة لابن القيم (2) .
وسيف العصر يعمد في هذا الكتاب إلى نبش هذه الجهالات - مذهب التضليل والتفويض - وبعث رميمها .. وطباعة وتوزيع"القول التمام" (3) مؤذنٌ بالعثار والمحاق , وظهور بدعة التفويض يعقبه زوالها ومزيد ظهور وقبول لمذهب السلف الصالح , وكما قال سحنون - رحمه الله:"أما علمت أن الله إذا أراد قطع بدعة أظهرها"ترتيب المدارك لعياض 1/ 611.
وقال ابن تيمية:"ومن أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين , وبيان حقيقة أنباء المرسلين: ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين .. وذلك أن الحق إذا جحد وعورض بالشبهات , أقام الله - تعالى - مما يحقّ به الحق , ويبطل به الباطل من الآيات والبينات بما يظهره من أدلة الحق , الجواب الصحيح 1/ 13."
ـ إن آفة (السيف العصري) في عموم كتابه هو أن وَهْم التمثيل في سائر الصفات الإلهية قد استولى على عقله وتقريراته .. ففرّ من هذا الوهم إلى عمايات التفويض والتجهيل , فإثبات الصفات ـ التي لا يروق له إثباتها ـ تستلزم التجسيم (ص43) , ولا يفهم المسكين من إثبات اليد لله - تعالى - إلا الجارحة (ص44) , والافتقار و الاحتياج (ص56) .
وهذا سبيل الزائغين في باب الصفات , إذ توهموا التمثيل في نصوص الصفات فدفعوه بالتحريف أو التجهيل. وإمعانًا في (الوصاية) و إتباعًا للأسلاف: جهم السمرقندي وبشر اليهودي وأضرابهما .. فإن سيفًا يريد أن يحشرك في مسائل وفق عقله الكليل وتمثيله المبطن , فصاحب (المقال) يردد: لو كان لله - تعالى - يد حقيقة فإما أن تمثِّلها بالمخلوقات وإلا ففوِّض (ص57) , وهذا مسلك الجهمية القائلين مثلًا لو كان الله فوق العرش للزم أن يكون العرش أكبر أو أصغر أو مساويًا .. (ينظر: الحموية ص274 , وبيان تلبيس الجهمية 3/ 683 , الدرء 6/ 290) .
والمقصود أن داء التشبيه قد أغرق القوم , واستحوذ على أذهانهم وسيطر على أدمغتهم , فعالجوه بالولوج في دهاليز التجهيل والتفويض.
والأسطوانة التي يكررها سيف و نابتة التفويض عمومًا هي أن يُخْضِع ويطوِّع السلفي لآراءه , فإما أن تكون ممثلًا أو مفوضًا , ولا سبيل غيرهما!! فقياس التمثيل جاثم عليه , كما كان جاثمًا على أسلافه الجهمية.
فقاسوا الخالق على المخلوق قياس تمثيل , فنفوا العلو والاستواء عن الله - تعالى - , إذ انقدح في ذهنهم التمثيل فقالوا: لو كان الله فوق العرش للزم أن يكون العرش أكبر أو أصغر أو مساويًا .. أو على حدّ جواب امرأة جهم: محدود على محدود! لما قيل لها: الله - تعالى - على عرشه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)