ـ [ياسر بن مصطفى] ــــــــ [19 - 02 - 08, 12:54 ص] ـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
فتعليقًا على ما نُشِر في موقع قناة الجزيرة في الإنترنت، يوم الخميس25/ 7/1425هـ، من عرضها لكتاب بعنوان: (مهد الإسلام: الحجاز، والسعي نحو هويَّة عربيَّة) ، لمؤلفته: مي يماني، والمنشور في لندن.
وانطلاقًا من خلفيات الطرح الذي بُني الكتابُ عليه، حسب العرض المنشور عنه، وهو طرح له وجود ولا شك، ويقف وراءه ويتبناه أفراد وجماعات، ودُعم مؤخرًا بقوة من جهات متعددة = أحببت أن أشارك في مناقشة هذا الموضوع، لا لكوني مسلمًا ويهمني شأن مهد الإسلام (الحجاز) فقط، ولا لكوني من السعودية على وجه الخصوص؛ بل الأمر يخُصُّني أكثر؛ لكوني حجازيًا، من أعرق أسرة في الحجاز، وهم الأشراف، ومن الأسرة الحاكمة في الحجاز سابقًا، وهم آل عون، والذين منهم حكام الأردن حاليًا.
نعم .. فحديثي عن الحجاز لا يمكن أن يُدَّعى أنه كلام دخيل عليها، وحديثي عن تاريخها لا يمكن أن يُزعم أنه كلام معادٍ لتاريخها السياسي أو العقائدي؛ لأني كما ذكرت من الحجاز في ذروة السنام .. ولا فخر.
أهوى الحجازَ وطَلْحَه وسَيَالَه ########* وأراكَه وبَشَامَه وعَضَاه
فسقى الإله سهوله وحُزُونَه ########* ومروجَه ووهَادَه ورُبَاه
غيثًا يطبِّق بالفلاة فيستوي ########* بالروض منظرُ أرضِه وسماه
كما أني في تعليقي على الكتاب المشار إليه، حسب العرض الذي نُشر عنه، لا أقصد التعليق على كل النقاط التي تناولها ذلك العرض، ولا أريد أيضًا أن يُفهم عني أني أخالف كل ما تضمنه ذلك العرض.
فقد تضمن ذلك العرض حقائق ليس لأحد أن يخالف فيها، من مثل أن الحجاز متميز عن بقية مناطق المملكة. بل إني أقول: إنه متميز عن بقية مناطق الدنيا؛ لاحتضانه الحرمين الشريفين، ولكونه مهد الإسلام، ومهبط الوحي، وقبلة المسلمين، ومحجتهم من كل بقاع الأرض.
كما أني أوكد على صحة ما جاء في ذلك العرض، من أن أبناء الحجاز عمومًا (قبائل وقاطنين) يتميزون باندماجهم القائم على سماحة الإسلام وبُعده عن العنصرية، وأنهم أكثر أبناء المناطق السعودية قبولًا للغريب عن منطقتهم، إلى غير ذلك من المميزات، التي أكسبتهم إياها المكانة الدينية والجغرافية للحجاز، والتي أثَّرت في أبنائها على مر القرون، والتي لم تكن وليدة عصر النفط في المملكة.
لكني أود التعليق على موضوع جاء في ذلك العرض، كثيرًا ما يُطرح بنوع من المغالطة من جهة، وبمخالفة حقائق التاريخ الماضي وحقائق الحاضر والواقع الذي نعيشه من جهة أخرى. يتركز التعليق على قول صاحب العرض عن صاحبة الكتاب:
"إن المشروع السعودي التوحيدي القادم من نجد لم ينازع الحجاز الزعامة السياسية فحسب، بل نازعها أيضًا، وبصورة أكثر أهمية، حصرية التمثيل الديني، ونوعية التعامل مع الدين نفسه، مهمشًا التنوع الحجازي المذهبي المتسامح، وأنه أبرز عوضًا عن هذا التنوع المتسامح التطرُّفَ الوهابي في الدين والتفسير له، وأن ذلك أدى إلى اضمحلال سلطة الحجاز وصعود سلطة نجد".
بهذا الأسلوب عرضت الكاتبة لإحدى أهم موضوعات كتابها، حسب عرضه المنشور عنه، وهو عرض لا شك أنه يساعد على تأجيج نار الإقليمية والعنصرية، المؤدية إلى إثارة الفتن، وإلى المطالبة بتفكيك هذه الوحدة التي تنعم بها المنطقة، والتي هي (أعني الوحدة) مما تتفق عليها جميع التيارات الإسلامية والمشاريع الدينية بل والقومية الصادقة مع مبادئ القومية: على المطالبة لا بالحفاظ عليها كإنجاز وقد تم فقط، بل على توسيع دائرتها، ليشمل العالم الإسلامي كله.
ثم إن الكاتبة أرادت أن تضع حلًا لإعادة الهوية الحجازية، فكان الحل -حسب العرض- هو الاعتراف بالتنوع الديني والاجتماعي والثقافي.
ولكي يكون نقاشي لهذا الحل علميًا موضوعيًا، وعميقًا بعيدًا عن السطحية الصحفية التي تعودنا في العالم الثالث أن نعالج بها الأمور، أود أن أفهم المقصود من ذلك الحل، أو بصورة أوضح: ما هو التنوع الديني الذي تطالب الكاتبة به؟ وتعدّه الحل الأمثل لمنطقة الحجاز؟ وما هي صورة هذا التنوع؟ ومتى سيصل هذا التنوع الحد المرضي عندها؟
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)