ـ [محمد عامر ياسين] ــــــــ [06 - 11 - 07, 11:36 م] ـ
عالم الغيب والشهادة
* بقلم / ماجد بن أحمد الصغير
الحمد لله رب العالمين، أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، والصلاة والسلام على النبي الأمي الكريم وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا.
أما بعد:
فإن الله قد أحاط بعلم الغيوب كلها وهو شاهد على علم الشهادة كله لهذا قال الله تعالى عن نفسه (عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال) وقال الله جل وعلا: (ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب) [سورة التوبة: 78] . (فالغيب: ما غاب عن الناس، والشهادة: ما شهدوه وأبصروه وعاينوه، فعلم الله سبحانه وتعالى تام، وكامل، ومحيط بكل شيء، لم يسبقه جهل، ولا يلحقه نسيان(وماكان ربك نسيًا) [سورة مريم: 64] ، (وأحاط بمالديهم وأحصى كل شيء عددًا) [سورة الجن: 28] . يقول الله سبحانه: (إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علمًا) [سورة طه: 98] ، ويقول: (قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض إنه كان غفورًا رحيمًا) [سورة الفرقان: 6] . فما من قول ولا فعل في السر ولا في الجهر، في السماء ولا في الأرض، في البحر المحيط الواسع، أو في الفضاء البعيد العالي إلاَّ يعلمه سبحانه وتعالى بتفاصيله.
أحاط علمه بالحبة في ظلمات الأرض، وبالورقة الساقطة فيها، وبالرطب واليابس ومثل ذلك وأعظم منه علمه بمكاييل البحار وعدد قطر الأمطار، ومافي البر من مثاقيل الجبال وعدد حبات الرمال، كل ذلك أحاط به الله جل جلاله وتباركت أسماؤه إحاطة كاملة فـ (لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين) [سورة سبأ:3] . أحصاه الله وكتبه في كتاب لايضل ربي ولاينسى. يقول تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لايعلمها إلا هو ويعلم مافي البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولاحبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولايابس إلا في كتاب مبين) .
وقد حضيت صفة العلم في نصوص القرآن بمكانة خاصة؛ لأنها مرتبطة ارتباطًا شديدًا بمسؤولية الإنسان، ووقوفه أمام الله جل وعلا، وما ينبني عليها من الإحساس بمراقبة الله على أعمال الإنسان الظاهرة والباطنة، ولذلك نجد الإشارة إليها تتخلل آيات القرآن من أوله إلى آخره، مع التركيز على علم الله لأفعال العباد، حسنها وسيئها، لكي يظل إيمان الإنسان بها قائمًا في أعماق النفس، وباعثًا له على تجويد العمل، والإحسان في القصد، ثم يربط بين الاعتقاد بهذه الصفة وبين السلوك البشري الصحيح، يقول سبحانه وتعالى: (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن غفورحليم) [سورة البقرة: 235] ، ويسوق الحديث عن العلم الإلهي المحيط مشفوعًا بما يترتب عليه من إحصاءٍ للأعمال، ومن محاسبة عليها، ومن مجازات بالنعيم والجحيم (وإن تبدوا مافي أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) [سورة البقرة: 284] (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم مافي السموات وما في الأرض والله على كل شيء قدير * يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد) [سورة آل عمران: 29 و 30] .
وتأتي الآيات الكثيرة في كتاب الله؛ لتذكر بأن ّالله عالم بالعباد، وآجالهم وأرزاقهم وأحوالهم وشقائهم وسعادتهم، ومن يكون منهم من أهل الجنة، ومن يكون منهم من أهل النار قبل أن يخلقهم ويخلق السموات والأرض. فهو سبحانه وتعالى عليمُ بما كان وما هو كائن وما سيكونُ، لم يَزَل عالِما ولا يَزال عالما بما كان وما يكون، ولا يخفى عليه خافية في الأَرض ولا في السماء، أَحاط عِلمُه بجميع الأَشياء باطِنِها وظاهرها، دقِيقها وجليلها [1] .
وقد اشتملت الآيات على مراتب العلم الإلهي، وهو أنواع:
أولها: علمه بالشيء قبل كونه، وهو سر الله في خلقه، اختص الله به عن عباده.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)