وصورة السعاية: أن يوصي بعتق عبدين له قيمتهما ما ذكر، ولا مال له سواهما فيعتق من الأول ثلثه بعشرة ويسعى بعشرين، ويعتق من الثاني ثلثه بعشرين، ويسعى بأربعين.
وصورة الدراهم المرسلة: أن يوصي لزيد بعشرين، ولعمرو بأربعين، وهما ثلثا ماله، فالثلث بينهما أثلاثًا: لزيد عشرة، ولعمرو عشرون، اتفاقا.
(ومن أوصى وعليه دين يحيط بماله لم تجز الوصية) ، لأن الدين مقدم عليها؛ لأنه فرض، وهي تبرع (إلا أن يبرئ الغرماء) الموصي (من الدين) الذي عليه، فتنفذ الوصية؛ لأنه لم يبق عليه دين.
(ومن أوصى بنصيب ابنه) أو غيره من الورثة (فالوصية باطلة) ؛ لأنه وصية بمال الغير (وإن أوصى بمثل نصيب ابنه جازت) الوصية؛ لأن مثل الشيء غيره، غير أنه مقدر به (فإن كان له) أي الموصي (ابنان، فللموصي له الثلث) لأنه يصير بمنزلة ابن ثالث؛ فيكون المال بينهم أثلاثًا، فإن كان له ابن واحد كان للموصى له النصف إن أجازه الابن، وإلا كان له الثلث كما لو أوصى له بنصف ماله، والأصل: أنه متى أوصى بمثل نصيب بعض الورثة يزاد مثله على سهام الورثة، مجتبى.
(ومن أعتق عبدًا في مرضه) أي مرض موته (أو باع وحابى) في بيعه بأن باع شيئًا بأقل من قيمته (أو وهب فذلك) كله جائز، (وهو معتبر من الثلث، ويضرب به مع أصحاب الوصايا) . قال في الهداية: وفي بعض النسخ:"فهو وصية"مكان قوله"جائز"، والمراد الاعتبار من الثلث والضرب مع أصحاب الوصايا، لا حقيقة الوصية؛ لأنها إيجاب بعد الموت، وهذا منجز غير مضاف، واعتباره من الثلث لتعلق حق الورثة، اهـ (فإن حابى) المريض (ثم أعتق) وضاق الثلث عنهما (فالمحاباة أولى) من العتق (عند أبي حنيفة) ؛ لأنه عقد ضمان فأشبه الدين فكان أقوى، وبالسبق زاد قوة (وإن أعتق) أولا (ثم حابى، فهما سواء) عنده أيضا، لأن عقد المحاباة ترجح بالقوة، والعتق بالسبق، فاستويا (وقالا: العتق أولى في المسألتين) لأنه عقد لا يلحقه الفسخ بوجه، فكان أقوى من هذا الوجه، واختار قول الإمام البرهاني، والنسفي، وصدر الشريعة، وغيرهم، تصحيح.
(ومن أوصى بسهم من ماله فله أخس سهام الورثة) للموصى (إلا أن ينقص) أخس سهامهم (من السدس؛ فيتم له) أي للموصى له (السدس) ولا يزاد عليه على رواية الجامع الصغير. قال في الاختيار: وحاصله أن له السدس، وعلى رواية كتاب الوصايا له أخس سهام الورثة ما لم يزد على السدس فله السدس، وكلاهما مروى عن أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: له أخس السهام إلا أن يزيد على الثلث فله الثلث، قال الإسبيجاني: والصحيح قول الإمام، وعليه مشى الأئمة المصححون، تصحيح. قال في الهداية: قالوا: هذا في عرفهم، وفي عرفنا: السهم كالجزء، اهـ. ومشى عليه في الكنز والدرر والتنوير. وفي الوقاية: السهم السدس في عرفهم، وهو كالجزء في عرفنا، اهـ.
(وإن أوصى بجزء من ماله قيل للورثة: أعطوه ما شئتم) ، لأنه مجهول يتناول القليل والكثير، غير أن الجهالة لا تمنع صحة الوصية، والورثة قائمون مقام الموصي، فإليهم البيان، هداية.
(ومن أوصى بوصايا من حقوق اللّه تعالى) وضاق عنها الثلث (قدمت الفرائض منها) على غير الفرائض، سواء (قدمها الموصي) في الوصية (أو أخرها) لأن قضاءها أهم، وذلك (مثل الحج والزكاة والكفارة) وإن تساوت قوة بأن كانت فرائض أو واجبات بدئ بما قدمه؛ لأن الظاهر أنه يبتدئ بالأهم (وما ليس بواجب قدم منه ما قدمه الموصي) ؛ لأن تقديمه يدل على الاهتمام به، فكان كما إذا صرح بذلك.
(ومن أوصى بحجة الإسلام أحجوا عنه رجلا من بلده) ؛ لأن الواجب الحج من بلده، ولهذا يعتبر فيه من المال ما يكفيه من بلده، والوصية لأداء ما كان واجبًا عليه و (يحج عنه راكبًا) ؛ لأنه لا يلزمه أن يحج ماشيا، فانصرف إليه على الوجه الذي وجب عليه، وهذا إن كفت النفقة ذلك (فإن لم تبلغ الوصية) تلك (النفقة أحجوا عنه) راكبا (من حيث تبلغ) تلك النفقة، تنفيذًا لها بقدر الإمكان.
(ومن خرج من بلده حاجا فمات في الطريق) قبل أداء النسك (وأوصى أن يحج عنه من بلده) راكبًا (عند أبي حنيفة) لأن الوصية تنصرف إلى الحج من بلده كما مر، وقالا: يحج عنه من حيث مات، لأن السفر بنية الحج وقع قربة، وسقط فرض قطع المسافة بقدره، فيبتدأ من ذلك المكان كأنه من أهله، قال جمال الإسلام: و على هذا إن مات الحاج عن غيره في الطريق حج عن الميت من بلده، والصحيح قوله، واختاره المحبوبي والنسفي وغيرهما، تصحيح.
(ولا تصح وصية الصبي) مطلقًا: أي سواء كان مميزًا أو لا، مات قبل الإدراك أو بعده، أضافه إلى الإدراك أولا، في وجوه الخير أولا، لأنها تبرع، وهو ليس من أهل التبرع، فلا يملكها تنجيزًا ولا تعليقًا (و) لا (المكاتب وإن ترك وفاء) لأن ماله لا يقبل التبرع.