-الكفالة ضربان: كفالةٌ بالنفس، وكفالةٌ بالمال.
فالكفالة بالنفس جائزةٌ، والمضمون بها إحضار المكفول به، وتنعقد إذا قال"تكفلت بنفس فلانٍ، أو برقبته، أو بروحه، أو بجسده، أو برأسه، أو بنصفه، أو بثلثه"،
وكذلك إن قال"ضمنته، أو هو علي، أو إلي، أو أنا زعيمٌ به، أو قبيلٌ"، فإن شرط في الكفالة تسليم المكفول به في وقتٍ بعينه لزمه إحضاره إذا طالبه به في ذلك الوقت، فإن أحضره وإلا حبسه الحاكم حتى يحضره، وإذا أحضر وسلمه في مكانٍ يقدر المكفول له على محاكمته برئ الكفيل من الكفالة، وإذا تكفل به على أن يسلمه في مجلس القاضي فسلمه في السوق برئ، وإن سلمه في بريةٍ لم يبرأ،
وإن مات المكفول به برئ الكفيل بالنفس من الكفالة، فإن تكفل بنفسه على أنه إن لم يواف به في وقت كذا فهو ضامنٌ لما عليه وهو ألفٌ ولم يحضره في ذلك الوقت لزمه ضمان المال ولم يبرأ من الكفالة بالنفس.
ولا تجوز الكفالة بالنفس في الحدود والقصاص عند أبي حنيفة، وقالا: يجوز.
وأما الكفالة بالمال فجائزةٌ معلومًا كان المال المكفول به أو مجهولًا إذا كان دينًا صحيحًا، مثل أن يقول: تكفلت عنه بألفٍ، أو بما لك عليه، أو بما يدركك في هذا البيع، والمكفول له بالخيار: إن شاء طالب الذي عليه الأصل، وإن شاء طالب كفيله.
ويجوز تعليق الكفالة بالشرط مثل أن يقول: ما بايعت فلانًا فعلي، أو ما ذاب لك عليه فعلي، أو ما غصبك فعلي،
وإذا قال: تكفلت بما لك عليه، فقامت البينة بألفٍ عليه ضمنه الكفيل، فإن لم تقم البينة فالقول قول الكفيل مع يمينه في مقدار ما يعترف به، فإن اعترف المكفول عنه بأكثر من ذلك لم يصدق على كفيله. وتجوز الكفالة بأمر المكفول عنه وبغير أمره، فإن كفل بأمره رجع بما يؤدى عليه، وإن كفل بغير أمره لم يرجع بما يؤديه وليس للكفيل أن يطالب المكفول عنه بالمال قبل أن يؤدي عنه، فإن لوزم بالمال كان له أن يلازم المكفول عنه حتى يخلصه، وإذا أبرأ الطالب المكفول عنه أو استوفى منه برئ الكفيل، وإن أبرأ الكفيل لم يبرأ المكفول عنه، ولا يجوز تعليق البراءة من الكفالة بشرطٍ، وكل حقٍ لا يمكن استيفاؤه من الكفيل لا تصح الكفالة به كالحدود والقصاص، وإذا تكفل عن المشتري بالثمن جاز، وإن تكفل عن البائع بالمبيع لم يصح، ومن استأجر دابةً للحمل فإن كانت بعينها لم تصح الكفالة بالحمل، وإن كانت بغير عينها جازت الكفالة، ولا تصح الكفالة إلا بقبول المكفول له في مجلس العقد، إلا في مسألةٍ واحدةٍ، وهي أن يقول المريض لوارثه: تكفل عني بما علي من الدين فتكفل به مع غيبة الغرماء، وإذا كان الدين على اثنين و كل واحدٍ منهما كفيلٌ ضامنٌ عن اخر فما أدى أحدهما لم يرجع به على شريكه حتى يزيد ما يؤديه على النصف فيرجع بالزيادة، وإذا تكفل اثنان عن رجل بألفٍ على أن كل واحدٍ منهما كفيلٌ عن صاحبه فما أداه أحدهما يرجع بنصفه على شريكه، قليلًا كان أو كثيرًا، ولا تجوز الكفالة بمال الكتابة، حرٌ تكفل به أو عبدٌ،
وإذا مات الرجل وعليه ديونٌ ولم يترك شيئًا فتكفل رجلٌ عنه للغرماء لم تصح الكفالة عند أبي حنيفة، وقالا: تصح.
وجه المناسبة بينها وبين الوكالة أن كلا منهما استعانة بالغير.
(الكفالة) لغة: الضم، وشرعًا: ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة (1) .
وهي (ضربان: كفالة بالنفس، وكفالة بالمال) وتكون بهما معًا، كما يأتي.
(فالكفالة بالنفس جائزة) ؛ لإطلاق قوله عليه الصلاة والسلام"لزعيم غارم) (2) ، (والمضمون بها إحضار المكفول به) ؛ لأن الحضور لازم على الأصيل؛ فجاز أن يلتزم الكفيل إحضاره كما في المال (وتنعقد) كفالة النفس (إذا قال: تكفلت بنفس فلان، أو برقبته، أو بروحه، أو بجسده، أو برأسه) أو ببدنه، أو بوجهه أو نحو ذلك مما يعبر به عن الكل، حقيقة أو عرفا، على ما مر في الطلاق. هداية."
(أو) قال: كفلت (بنصفه أو بثلثه) أو بجزء شائع منه، لأن النفس الواحدة في حق الكفالة لا تتجزأ؛ فكان ذكر بعضها شائعا كذكر كلها (وكذلك إن قال: ضمنته، أو هو علي، أو إلي) أو عندي؛ لأنها صيغ الالتزام (أو أنابه زعيم) أي كفيل (أو قبيل) هو بمعنى الزعيم، بخلاف ما إذا قال: أنا ضامن بمعرفته؛ لأنه التزم المعرفة دون المطالبة. هداية (فإن شرط) الأصيل (في الكفالة تسليم المكفول به في وقت بعينه لزمه) أي لزم الكفيل (إحضاره) أي إحضار المكفول به (إذا طالبه به) الأصيل (في ذلك الوقت) وفاء بما التزمه كالدين المؤجل إذا حل (فإن أحضره) فيها، لأنه وفى ما عليه (وإلا) أي: وإلا يحضره (حبسه الحاكم) لامتناعه عن إيفاء حق مستحق، ولكن لا يحبسه أول مرة لعله لم يدر لماذا دعي، ولو غاب المكفول بنفسه أمهله الحاكم مدة ذهابه وإيابه، فإن مضت ولم يحضره حبسه، لتحقق الامتناع عن إيفاء الحق. هداية.