فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 428

باب الاعتكاف.

-الاعتكاف مستحبٌ، وهو اللبث في المسجد مع الصوم ونية الاعتكاف، ويحرم على المعتكف: الوطء، واللمس، والقبلة، ولا يخرج من المسجد إلا لحاجة الإنسان أو الجمعة، ولا بأس بأن يبيع ويبتاع في المسجد من غير أن يحضر السلع ولا يتكلم إلا بخيرٍ، ويكره له الصمت، فإن جامع المعتكف، ليلًا أو نهارًا بطل اعتكافه، ومن أوجب على نفسه اعتكاف أيامٍ لزمه اعتكافها بلياليها، وكانت متتابعةً وإن لم يشترط التتابع.

وجه المناسبة والتعقيب اشتراط الصوم فيه، وطلبه في العشر الأخير.

قال رحمه اللّه تعالى: (الاعتكاف مستحب) قال في الهداية: والصحيح أنه سنة مؤكدة؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم واظب عليه في العشر الأواخر من رمضان، والمواظبة دليل السنية (1) . اهـ. قال الزيلعي: والحق أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: واجب، وهو المنذور، وسنة، وهو في العشر الأخير من رمضان، ومستحب، وهو في غيره. اهـ.

(وهو اللبث) بفتح اللام - مصدر لبث - كفهم - أي المكث (في المسجد مع الصوم ونية الاعتكاف) أما اللبث فركنه؛ لأن وجوده به، وأما الصوم فشرط لصحة الواجب، واختلفت الروايات في النفل: روى الحسن عن أبي حنيفة أنه شرط لصحته، وفي ظاهر الرواية ليس بشرط. ذخيرة. والنية شرط في سائر العبادات، والمراد بالمسجد مسجد الجماعة، وهو: ما له إمام ومؤذن، أديت فيه. الخمس أولًا، كما في العناية والفيض والنهر وخزانة الأكمل والخلاصة والزازية، وفي الهداية عن أبي حنيفة: أنه لا يصح إلا في مسجد يصلى فيه الصلوات الخمس، لأنه عبادة انتظار الصلاة فيختص بمكان تؤدى فيه؛ وصححه الكمال وعن الإمامين يصح في كل مسجد. وصححه السروجي، وهو اختيار الطحاوي، وقال الخير الرملي: وهو أيسر، خصوصًا في زماننا، فينبغي أن يعول عليه. اهـ. والمرأة تعتكف في مسجد بيتها، وهو الذي عينته لصلاتها؛ لنحقق انتظارها فيه.

(ويحرم على المعتكف: الوطء) لقوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد (2) } . (و) كذا (اللمس، والقبلة) لأنهما من دواعيه (ولا يخرج) المعتكف (من المسجد إلا لحاجة الإنسان) الطبيعية كالبول والغائط وإزالة نجاسة، أو الضرورية كانهدام المسجد وتفرق أهله وإخراج ظالم كرهًا وخوف على نفسه أو متاعه؛ فيدخل مسجدًا غيره من ساعته (أو) الشرعية مثل صلاة (الجمعة) والعيد، ولا يمكث بعد فراغه مما خرج إليه، لأن ما ثبت ضرورة يتقدر بقدرها. (ولا بأس بأن يبيع) المعتكف (ويبتاع في المسجد) ما لابد منه كطعام ونحوه، لضرورة الاعتكاف؛ لأنه لو خرج إليها فسد اعتكافه، لكن (من غير أن يحضر السلعة) ، لأن المسجد محرز عن حقوق العباد، وفي إحضار السلعة شغل للمسجد، فيكره، كما يكره لغير المعتكف مطلقًا (ولا يتكلم) المعتكف (إلا بخير) وكذا غيره، إلا أن المعتكف به أحرى.

(ويكره له الصمت) إن اعتقده قربة: لأنه ليس قربة في شريعتنا؛ أما حفظ اللسان عما لا يعني الإنسان فإنه من حسن الإيمان.

(فإن جامع المعتكف ليلًا أو نهارًا) عامدًا أو ناسيًا أنزل أو لا (بطل اعتكافه) ؛ لأن حالة المعتكف مذكرة فلا يعذر بالنسيان، ولو جامع فيما دون الفرج، أو قبل، أو لمس فأنزل - بطل اعتكافه؛ لأنه في معنى الجماع حتى يفسد به الصوم، ولو لم ينزل لا يفسد، وإن كان محرمًا؛ لأنه ليس في معنى الجماع، ولهذا لا يفسد به الصوم. هداية.

(ومن أوجب على نفسه اعتكاف أيام) يومين فأكثر (لزمه اعتكافها بلياليها) لأن ذكر الأيام على سبيل الجمع يتناول ما بإزائها من الليالي (وكانت متتابعة وإن لم يشترط التتابع) ؛ لأن مبنى الاعتكاف على التتابع؛ لأن الأوقات كلها قابلة له، بخلاف الصوم، لأن مبناه على التفرق؛ لأن الليالي غير قابلة للصوم؛ فيجب على التفريق حتى ينص على التتابع، وإن نوى الأيام خاصة صح؛ لأنه نوى الحقيقة. هداية.

(1) في الصحيحين وغيرهما عن عائشة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يعتكف العشر الآواخر من رمضان حتى توفاه اللّه تعالى ثم اعتكف أزواجه من بعده وقد اقترنت هذه المواظبة بعدم الإبكار على من تركه من الصحابة وإلا كانت دليل الوجوب والأصل في اعتكاف العشر الآواخر التماس ليلة القدر كما دلت الآيات على ذلك ومجموع الأحاديث الثابتة يدل على أنها دائرة في العشر الأخير من رمضان ومهما يكن فإن الاعتكاف من أعظم القربان لما فيه من التفرغ عن الدنيا والإقبال على اللّه وفي ذلك تطهير القلب وإخلاصه وإصلاحه الخلافة اللّه الفاضلة المحمودة نسأل اللّه التوفيق لذلك الانقطاع من غير رهبانية.

(2) من الآية 187 من سورة البقرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت