-العارية جائزةٌ وهي: تمليك المنافع بغير عوضٍ، وتصح بقوله: أعرتك، وأطعمتك هذه الأرض ومنحتك هذا الثوب، وحملتك على هذه الدابة، إذا لم يرد به الهبة، وأخدمتك هذا العبد، وداري لك سكنى، وداري لك عمرى سكنى، وللمعير أن يرجع في العارية متى شاء.
والعارية أمانةٌ: إن هلكت من غير تعد لم يضمن شيئًا.
وليس للمستعير أن يؤاجر ملا استعاره ولا أن يرهنه، وله أن يعيره إذا كان مما لا يختلف باختلاف المستعمل،
وعارية الدراهم والدنانير والمكيل والموزون قرض.
وإذا استعار أرضًا ليبني فيها أو يغرس نخلًا جاز، وللمعير أن يرجع فيها ويكلفه قلع البناء والغرس، فإن لم يكن وقت العارية فلا ضمان عليه، وإن كان وقت العارية فرجع قبل الوقت ضمن المعير ما نقص البناء والغرس بالقلع،
وأجرة رد العارية على المستعير، وأجرة رد العين المستأجرة على المؤجر، وأجرة رد العين المغصوبة على الغاصب.
وإذا استعار دابةً فردها إلى إصطبل مالكها لم يضمن، وإن استعار عينًا فردها إلى دار مالكها ولم يسلمها إليه ضمن، وإن رد الوديعة إلى دار المالك ولم يسلمها إليه ضمن.
مناسبتها للوديعة ظاهرة، من حيث اشتراكهما في الأمانة.
(العارية) بالتشديد، وتخفف (جائزة) ، لأنها نوع إحسان، وقد استعار النبي صلى اللّه عليه وسلم دروعا من صفوان. (1) هداية.
(وهي) لغة: إعارة الشيء كما في القاموس، وشرعا: تمليك المنافع بغير عوض، أفاد (2) بالتمليك لزوم الإيجاب والقبول ولو فعلا (وتصح بقوله: أعرتك،) لأنه صريح فيها (وأطعمتك هذه الأرض) أي غلتها، لأن الأرض لا تطعم، فينصرف إلى ما يؤخذ منها، على سبيل المجاز، من إطلاق اسم المحل على الحال.
(ومنحتك) : أي أعطيتك (هذا الثوب) أو هذا العبد (وحملتك على هذه الدابة، إذا لم يرد به) أي بقوله أعطيتك وحملتك (الهبة) لأن اللفظ صالح لتمليك العين والمنفعة، والمنفعة أدنى؛ فيحمل عليها عند عدم النية (وأخدمتك هذا العبد) ، لأنه إذن له في الاستخدام (وداري لك سكنى) ، لأن معناه سكناها لك (وداري لك عمرى سكنى) ، لأن اللام وإن كان للتمليك لكن لما أردفه بالتمييز بلفظ السكنى المحكم في إرادة المنفعة الصرف عنه إفادة الملك.
(وللمعير أن يرجع في العارية متى شاء) لأنها عقد تبرع.
(والعارية) : أي حكمها أنها (أمانة) في يد المستعير: (إن هلكت من غير تعد لم يضمن) ولو بشرط الضمان، قهستاني.
(وليس للمستعير أن يؤاجر ما استعاره، ولا أن يرهنه) ، لأن الشيء لا يتضمن ما فوقه (وله أن يعيره إن كان مما لا يختلف باختلاف المستعمل) لأنه ملك المنافع ومن ملك شيئًا جاز له أن يملكه على حسب ما ملك، ولذا شرط أن لا يختلف باختلاف المستعمل، فلو كان يختلف باختلاف المستعمل لا يجوز له ذلك، لأنه رضي باستعماله لا باستعمال غيره، قال في الهداية: وهذا إذا كانت الإعارة مطلقة، وهي على أربعة أوجه: أن تكون مطلقة في الوقت والانتفاع، وللمستعير فيه أن ينتفع به في أي نوع شاء، وفي أي وقت شاء، عملا بالإطلاق، والثاني أن تكون مقيدة فيهما، وليس له أن يجاوز ما سماه، عملا بالتقييد، إلا إذا كان خلافا إلى مثل ذلك أو خير منه، والثالث: أن تكون مقيدة في حق الوقت مطلقة في حق الانتفاع، والرابع عكسه، وليس له أن يتعدى ما سماه. اهـ.
(وعارية الدراهم والدنانير والمكيل والموزون) والمعدود المتقارب عند الإطلاق (قرض) ، لأن الإعارة تمليك المنافع، ولا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاك عينها، فاقتضى تمليك العين ضرورة، وذلك بالهبة أو القرض، والقرض أدناهما فيثبت، ولأن من قضية الإعارة الانتفاع ورد العين فأقيم رد المثل مقامه، هداية. وإنما قلت"عند الإطلاق"لأنه لو عين الجهة - بأن استعار دراهم ليعاير بها ميزانًا أو يزين بها دكانًا - لم يكن قرضًا، ولا يكون له إلا المنفعة المسماة، كما في الهداية.