-إذا قذف الرجل امرأته بالزنا وهما من أهل الشهادة، والمرأة ممن يحد قاذفها، أو نفى نسب ولدها وطالبته بموجب القذف فعليه اللعان، فإن امتنع منه حبسه الحاكم حتى يلاعن أو يكذب نفسه فيحد، وإن لاعن وجب عليها اللعان؛ فإن امتنعت حبسها الحاكم حتى تلاعن أو تصدقه.
وإذا كان الزوج عبدًا أو كافرًا أو محدودًا في قذفٍ فقذف امرأته فعليه الحد،
وإن كان من أهل الشهادة وهي أمةٌ أو كافرة أو محدودةٌ في قذفٍ أو كانت ممن لا يحد قاذفها فلا حد عليه في قذفها ولا لعان.
وصفة اللعان: أن يبتدئ القاضي بالزوج فيشهد أربع مرات يقول في كل مرةٍ: أشهد باللّه إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، ثم يقول في الخامسة: لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا ويشير إليها في جميع ذلك، ثم تشهد المرأة أربع مراتٍ تقول في كل مرةٍ أشهد باللّه إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتقول في الخامسة: إن غضب اللّه عليها. إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا.
فإذا التعنا فرق القاضي بينهما، وكانت الفرقة تطليقةً بائنةً عند أبي حنيفة ومحمدٍ، وقال أبو يوسف: تحريمٌ مؤبدٌ، وإن كان القذف بولدٍ نفى القاضي نسبه وألحقه بأمه،
فإن عاد الزوج فأكذب نفسه حده القاضي وحل له أن يتزوجها، وكذلك إن قذف غيرها فحد أو زنت فحدت.
وإذا قذف امرأته وهي صغيرةٌ أو مجنونة فلا لعان بينهما، وقذف الأخرس لا يتعلق به اللعان، وإذا قال الزوج"ليس حملك مني"فلا لعان بينهما، وإن قال:"زنيت وهذا الحمل من الزنا"تلاعنا ولم ينف القاضي الحمل.
وإذا نفى الرجل ولد امرأته عقيب الولادة، أو في الحال التي تقبل التهنئة أو تبتاع له آلة الولادة صح نفيه ولاعن به، وإن نفاه بعد ذلك لاعن وثبت النسب. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يصح نفيه في مدة النفاس، وإذا ولدت ولدين في بطنٍ واحدٍ فنفى الأول واعترف بالثاني ثبت نسبهما وحد الزوج، وإن اعترف بالأول ونفى الثاني ثبت نسبهما ولاعن.
هو لغة: مصدر لاعن كقاتل، ومن اللعن وهو الطرد والإبعاد، سمى به لا بالغضب - للعنه نفسه أولا، والسبق من أسباب الترجيح، وشرعًا: شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن من جهة وبالغضب من أخرى، قائمة مقام حد القذف في حقه، ومقام حد الزنا في حقها؛ كما أشار إلى ذلك بقوله: (إذا قذف الرجل امرأته بالزنا) صريحا (وهما) أي الزوجان (من أهل الشهادات) على المسلم (و) كانت (المرأة ممن يحد قاذفها) لأنه قائم في حقه مقام حد القذف فلابد من إحصانها (أو نفى نسب ولدها) منه أو من غيره، لأنه إذا نفى نسب ولدها صار قاذفا لها ظاهرًا (وطالبته بموجب القذف) لأنه حقها، فلابد من طلبها كسائر الحقوق، فلو لم تطالبه وسكنت لا يبطل حقها، ولو طالت المدة، لأن طول المدة لا يبطل حقوق العباد (فعليه اللعان) إن عجز عن البرهان (فإن امتنع منه حبسه الحاكم حتى يلاعن) فيبرأ (أو يكذب نفسه فيحد) لأن اللعان خلف عن الحد، فإذا لم يأت بالخلف وجب عليه الأصل (فإن لاعن) الزوج (وجب عليها اللعان) بعده؛ لأنه المدعي فيطلب منه الحجة أولا، فلو بدأ بلعانها أعادت بعده، فلو فرق قبل الإعادة صح، لحصول المقصود كما في الدر (فإن امتنعت) المرأة (حبسها الحاكم حتى تلاعن أو تصدقه) قال الزيلعي: وفي بعض نسخ القدوري (أو تصدقه فتحد) وهو غلط، لأن الحد لا يجب بالإقرار مرة، فكيف يجب بالتصديق مرة؟ وهو لا يجب بالتصديق أربع مرات، لأن التصديق ليس بإقرار قصدًا، فلا يعتبر في حق وجوب الحد، ويعتبر في درئه، فيندفع به اللعان،
ولا يجب به الحد، وينتفي النسب، لأنه إنما ينقطع حكما باللعان، ولم يوجد، وهو حق الولد، فلا يصدقان في إبطاله وبه يظهر عدم صحة قول صدر الشريعة (فينتفي نسب ولدها) درر. قال شيخنا: وقد يجاب بأن مراد القدوري بالتصديق الإقرار بالزنا، لا مجرد قولها (صدقت) واكتفى عن ذكر التكرار اعتمادا على ما ذكره في بابه. اهـ.
(وإذا كان الزوج) غير أهل للشهادة: بأن كان (عبدًا أو كافرًا أو محدودًا في قذف) وكان أهلا للقذف بأن كان بالغًا عاقلًا ناطقًا (فقذف امرأته فعليه الحد) والأصل أن اللعان إذا سقط لمعنى من جهته فلو قذف صحيحًا حد، وإلا فلا حد ولا لعان، كما في الدر.
(وإن كان) الزوج (من أهل الشهادة وهي) غير أهلٍ لها، لأنها (أمة أو كافرة أو محدودة في قذف) أو صبية أو مجنونة (أو كانت ممن لا يحد قاذفها) بأن كانت زانية أو موطوءة بشبهة أو نكاحٍ فاسدٍ (فلا حد عليه في قذفها) كما لو قذفها أجنبي (ولا لعان) ، لأن خلفه، ولكنه يعزر، حسما لهذا الباب.