-لا يزول ملك الواقف عن الوقف عند أبي حنيفة إلا أن يحكم به الحاكم أو يعلقه بموته فيقول: إذا مت فقد وقفت داري على كذا. وقال أبو يوسف: يزول الملك بمجرد القول. وقال محمدٌ: لا يزول الملك حتى يجعل للوقف وليًا ويسلمه إليه.
وإذا الوقف - على اختلافهم - خرج عن ملك الواقف، ولم يدخل في ملك الموقوف عليه.
ووقف المشاع جائزٌ عند أبي يوسف. وقال محمدٌ: لا يجوز.
ولا يتم الوقف عند أبي حنيفة ومحمدٍ حتى يجعل آخره لجهةٍ لا تنقطع أبدًا. وقال أبو يوسف: إذا سمى فيه جهةً تنقطع جاز، وصار بعدها للفقراء، وإن لم يسمهم.
ويصح وقف العقار، ولا يجوز وقف ما ينقل ويحول. وقال أبو يوسف: إذا وقف ضيعةً ببقرها أو أكرتها وهم عبيده جاز.
وقال محمدٌ: يجوز حبس الكراع والسلاح، وإذا صح الوقف لم يجز بيعه، ولا تمليكه، إلا أن يكون مشاعًا عند أبي يوسف فيطلب الشريك القسمة فتصح مقاسمته.
والواجب: أن يبدأ من ريع الوقف بعمارته، شرط الواقف ذلك أو لم يشرط.
وإن وقف دارا على سكنى ولده فالعمارة على من له السكنى، فإن امتنع من ذلك أو كان فقيرًا أجرها الحاكم وعمرها بأجرتها، فإذا عمرت ردها إلى من له السكنى.
وما انهدم من بناء الوقف وآلته صرفه الحاكم في عمارة الوقف إن احتاج إليه، وإن استغنى عنه أمسكه حتى يحتاج إلى عمارته فيصرفه فيها، ولا يجوز أن يقسمه بين مستحقي الوقف.
وإذا جعل الواقف غلة الوقف لنفسه أو جعل الولاية إليه جاز عند أبي يوسف.
وإذا بنى مسجدًا لم يزل ملكه عنه حتى يفرزه عن ملكه بطريقه ويأذن للناس بالصلاة فيه، فإذا صلى فيه واحدٌ زال ملكه عنه عند أبي حنيفة ومحمدٍ، وقال أبو يوسف: يزول ملكه عنه بقوله"جعلته مسجدًا"ومن بنى سقايةً للمسلمين أو خانًا يسكنه بنو السبيل أو رباطًا أو جعل أرضه مقبرةً لم يزل ملكه عن ذلك عند أبي حنيفة حتى يحكم به حاكمٌ.
وقال أبو يوسف: يزول ملكه بالقول. وقال محمدٌ: إذا استقى الناس من السقاية وسكنوا الخان والرباط ودفنوا في المقبرة زال الملك.
مناسبته للّهبة من حيث إن كلا منهما تبرع بالملك، وقدمت الهبة لأنها تبرع بالعين والمنفعة جميعًا.
وهو لغة: الحبس، وشرعًا: حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة عند الإمام، وعندهما هو: حبسها على حكم ملك اللّه تعالى. هداية.
(لا يزول ملك الواقف عن الوقف عند أبي حنيفة) : أي لا يلزم، فيصح الرجوع عنه، ويجوز بيعه، كما في التصحيح عن الجواهر (إلا) بأحد أمرين: (أن يحكم به الحاكم) المولى، لأنه مجتهد فيه، وصورة الحكم: أن يسلم الواقف وقفه إلى المتولى ثم يريد أن يرجع بعلة عدم اللزوم فيختصمان إلى القاضي فيقضي باللزوم كما في الفيض. قيدنا بالمولى لأن المحكم بتحكيم الخصمين لا يرفع الخلاف على الصحيح، (أو يعلقه بموته) فيقول: إذا مت فقد وقفت داري مثلا على كذا، فالصحيح أنه كوصيه يلزم من الثلث بالموت لا قبله، كما في الدر (وقال أبو يوسف: يزول الملك بمجرد القول) في المشاع وغيره، سلم إلى المتولي أو لا، ذكر جهة لا تنقطع أولا، كما في التصحيح عن الجواهر (وقال محمد: لا يزول الملك حتى) يستوفي أربعة شرائط، وهي: أن (يجعل للوقف وليا) أي متوليًا (ويسلمه إليه) ، وأن يكون مفرزًا، وأن لا يشترط لنفسه شيئًا من منافع الوقف، وأن يكون مؤبدًا، بأن يجعل آخره للفقراء كما في التصحيح عن التحفة والاختيار، ثم قال: قلت: الثالث ليس فيه رواية ظاهرة عنه، وسيأتي، اهـ.
ثم نقل أن الفتوى على قولهما في جواز الوقف عن الفتاوى الصغرى والحقائق والتتمة والعيون ومختارات النوازل والخلاصة ومنية المفتي وغيرها. ثم قال: ثم إن مشايخ بلخ اختاروا قول أبي يوسف، ومشايخ بخارى اختاروا قول محمد، وقد صح كلا القولين وأفتى به طائفة ممن يعول على تصحيحهم وإفتائهم.
(فإذا استحق) بالبناء المجهول - أي ثبت، وفي بعض النسخ"صح" (الوقف على اختلافهم المار في صحته(خرج) الوقف (من ملك الواقف) وصار خبيسًا على حكم ملك اللّه تعالى (ولم يدخل في ملك الموقوف عليه) ؛ لأنه لو ملكه لما انتقل عنه بشرط الواقف كسائر أملاكه، مع أنه ينتقل بالإجماع، وقال في الهداية: وقوله"خرج من ملك الواقف"يجب أن يكون قولهما على الوجه الذي سبق تقريره، اهـ.