فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 428

(وإذا استعار أرضًا ليبني فيها أو يغرس نخلا جاز) لأنها نوع منفعة كالسكنى تملك بالإجارة فكذا بالإعارة (وللمعير أن يرجع فيها متى شاء) ، لما مر أنها عقد غير لازم (ويكلفه قلع البناء والغرس) لشغله أرضه فيكلفه تفريغها، وهذا حيث لم يكن في القلع مضرة بالأرض، وإلا فيتركان بالقيمة مقلوعين، لئلا تتلف أرضه (فإن لم يكن وقت العارية فلا ضمان عليه) أي على المعير فيما نقص البناء والغرس بالقلع، لأن المستعير مغتر غير مغرور، حيث اعتمد إطلاق العقد، من غير أن يسبق منه الوعد، هداية (وإن كان وقت العارية) بوقت (فرجع قبل الوقت ضمن المعير) للمستعير (ما نقص البناء والغرس) ، لأنه مغرور من جهته حيث وقت له، والظاهر هو الوفاء بالعهد، فيرجع دفعًا للضرر، هداية. ثم قال: وذكر الحاكم الشهيد أنه يضمن رب الأرض للمستعير قيمة غرسه وبنائه، ويكونان له إلا أن يشاء المستعير أن يرفعهما ولا يضمنه قيمتهما فيكون له ذلك لأنه ملكه، قالوا: إذا كان بالقلع ضرر بالأرض فالخيار إلى رب الأرض، لأنه صاحب أصل، والمستعير صاحب تبع، والترجيح بالأصل، اهـ. قيد بالبناء والغرس لأنه لو استعارها ليزرعها لم تؤخذ منه حتى يحصد الزرع، سواء وقت أم لا، لأن له نهاية معلومة فيترك بأجر المثل مراعاة للحقين، كما في الهداية وغيرها.

(وأجرة رد العارية على المستعير) ، لأن الرد واجب عليه، لأنه قبضها لمنفعة نفسه، والأجرة مؤنة الرد فتكون عليه (وأجرة رد العين المستأجرة على المؤجر) لأن الواجب على المستأجر التمكين والتخلية دون الرد (وأجرة رد العين المغصوبة على الغاصب) ، لأن الرد واجب عليه دفعًا للضرر عن المالك، فتكون مؤنته عليه (وإذا استعار دابة فردها إلى إصطبل مالكها) فهلكت (لم يضمن) وهذا استحسان، لأنه أتى بالتسليم المعتاد المتعارف، لأنه لو ردها إلى المالك لردها إلى المربط كما في الهداية (وإن استعار عينا) نفيسة (فردها إلى دار المالك ولم يسلمها إليه ضمن) قال في الجوهرة: وفي نسخة"لم يضمن"وكذا هو في شرحه، غير أنه بعد ذلك أشار إلى أنه في آلات المنزل، اهـ. أي: بخلاف الأعيان النفيسة فلا ترد إلا إلى المعير، وتمامه في الهداية (وإن رد الوديعة) أو العين المغصوبة (إلى دار المالك ولم يسلمها إليه ضمن) لأن الواجب على الغاصب فسخ فعله، وذلك بالرد إلى المالك دون غيره، والوديعة لا يرضى المالك بالرد إلى الدار، ولا إلى يد من في العيال، لأنه لو ارتضاه لما أودعها، هداية.

(1) (روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم استعار مائة درع من صفوان بن أمية يوم الفتح وأن صفوان قال له: أغصب يا محمد؟ فقال:(لا، بل عارية مضمونة) . (وروى أن أهل المدينة سمعوا ضجة فظنوا عدوا أغار عليهم؛ فاستعار النبي صلى اللّه عليه وسلم فرسا من أبي طلحة فركبها عريا وخرج يعدو به إلى الصحراء فلم يجد شيئًا، ثم رجع فوجد القوم خارجين، فقال لهم:(لن تراعوا) ثم قال عن فرس أبي طلحة: (إن وجدناه لبحرا) ، ومن العلماء من يستدل على جواز العارية بقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} ومنهم من يستدل عليها بقوله جل شأنه: {ويمنعون الماعون} فقد فسره جمهرة المفسرين بما يستعيره الجيران بعضهم من بعض كالدلو والفأس والإبرة. ثم اعلم أنه قد تكتنف العارية ظروف تجعلها مكروهة أو حراما أو واجبة؛ فلو أن إنسانا لا ثوب له وقد اشتد الحر والبرد حتى خيف عليه الهلاك فإنه يجب على من يجد ثوبا فاضلا عن حاجاته الأصلية أن يعيره هذا الثوب فيدفع به الهلاك عن نفسه. وتحرم إعارة جارية وضيئة لأجنبي، وتكره إعارة العبد المسلم للذمي لما فيه من امتهان المسلم، ونحو هذا.

(2) هذا الذي ذكره المصنف من أن الإعارة تمليك المنافع بغير عوض هو ما ذهب إليه عامة علماء المذهب ومنهم أبو بكر الرازي، وكان الكرخي رحمه اللّه يرى أن الإعارة عبارة عن إباحة المنافع، ووجه ما ذهب إليه الكرخي ثلاثة أشياء: أولها أنها تنعقد بلفظ الإباحة، وثانيها أنه لا يشترط فيها ضرب المدة؛ فيجوز إطلاقها عن المدة، ويجوز تقييدها بمدة معينة، ومع جهالة المدة لا يصح التمليك، وثالثها أن المستعير لا يملك تأجير العارية من غيره كما ستقف عليه، والجواب عن هذا الكلام: أما عن الوجه الأول فإن لفظ الإباحة مستعار من هذا الموضع للدلالة على التمليك، وآية ذلك أن الإجارة تنعقد هي أيضًا بلفظ الإباحة مع أن الإجارة تمليك اتفاقا، وأيضًا فإن الإعارة تنعقد بلفظ التمليك فكان لابد من حمل أحد اللفظين الإباحة والتمليك على الآخر؛ فحملنا لفظ الإباحة على التمليك، وأما عن الوجه الثاني فإن عدم اشتراط التوقيت بمدة له سبب وجيه، وهو أنها غير لازمة، بل لصاحبها أن يستردها متى شاء، فلا تفضي جهالة المدة إلى المنازعة، وأما عن الثالث فإنا لم نملك المستعير تأجير العارية دفعًا لزيادة الضرر عن مالك العين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت