(ويجوز للموصي الرجوع عن الوصية) ، لأنها تبرع لم يتم، فجاز الرجوع فيه كالهبة (فإذا صرح بالرجوع) بأن قال رجعت عما أوصيت به أو أبطلته (أو فعل ما يدل على الرجوع) بأن أزاله عن ملكه، أو زاد به زيادة تمنع تسليمه إلا بها كلت السويق والبناء في الدار، أو فعل به فعلا لو فعله في المغصوب لانقطع عنه حق المالك (كان رجوعا) أما الصريح فظاهر، وكذا الدلالة، لأنها تعمل عمل الصريح فقام مقام قوله"قد أبطلت"وصار كالبيع بشرط الخيار، فإنه يبطل الخيار فيه بالدلالة، هداية.
(ومن جحد الوصية لم يكن رجوعا) قال في الهداية: كذا ذكره محمد، وقال أبو يوسف: يكون رجوعا، ورجح قول محمد، واعتمده الإمام المحبوبي والنسفي وغيرهما، تصحيح.
(ومن أوصى لجيرانه فهم الملاصقون) له (عند أبي حنيفة) ، لأن الجوار عبارة عن القرب، وحقيقة ذلك في الملاصق، وما بعده بعيد بالنسبة إليه، وقال أبو يوسف ومحمد: هم الملاصقون وغيرهم ممن يسكن محله الموصي ويجمعهم مسجد المحلة، وهذا استحسان، هداية. قال في التصحيح: والصحيح قول الإمام، واختاره المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة وغيرهم، اهـ.
(ومن أوصى لأصهاره فالوصية لكل ذي رحم محرم من امرأته) كآبائها وأعمامها وأخوالها وأخواتها. قال الحلواني: هذا في عرفهم، وأما في عرفنا فيختص بأبويها، عناية وغيرها، وأقره القهستاني. قلت: لكن جزم في البرهان وغيره بالأول، وأقره في الشرنبلالية، كذا في الدرر.
(ومن أوصى لأختانه فالختن زوج كل ذات رحم محرم منه) كأزواج بناته وأخواته وعماته وخالاته، قال القهستاني: وينبغي في ديارنا أن يختص الصهر بأبي الزوجة والختن بزوج البنت، لأنه المشهور، اهـ.
(ومن أوصى لأقربائه) ، أو لذوي قرابته، أو لأرحامه، أو لأنسبائه (فالوصية للأقرب فالأقرب من كل ذي رحم محرم) منه (ولا يدخل فيهم الوالدان والولد) ، لأنهم لا يسمون أقارب، ومن سمى والده قريبًا كان منه عقوقًا؛ لأن القريب من تقرب بوسيلة غيره، وتقرب الوالد والولد بنفسه لا بغيره، وتمامه في الهداية (وتكون) الوصية (للاثنين فصاعدًا) ؛ لأنه ذكر بلفظ الجمع، وأقل الجمع في الوصية اثنان كما في الميراث (وإذا أوصى بذلك) أي لأقربائه ونحوه (وله) أي الوصي (عمان زخالان فالوصية) كلها (لعميه عند أبي حنيفة) اعتبارًا للأقرب كما في الإرث (وإن كان له عم وخالان فللعم النصف وللخالين النصف) ؛ لأنه لابد من اعتبار معنى الجمع وهو الاثنان في الوصية كما في الميراث، ولو ترك عمًا وخالا وخالة فالوصية للعم والعمة بينهما بالسوية؛ لاستواء قرابتهما، وتمامه في الهداية (وقالا) تكون (الوصية لكل من ينسب) إليه من قبل آبائه (إلى أقصى أب له في الإسلام) وهو أول أب أسلم، القريب والبعيد والذكر والأنثى فيه سواء، قال في زاد الفقهاء والزاهدي في شرحه: الصحيح قول أبي حنيفة، وعليه اعتمد المحبوبي والنسفي وغيرهما، تصحيح.
(ومن أوصى لرجل بثلث دراهمه) المعينة (أو ثلث غنمه) المعينة (فهلك ثلثا ذلك، وبقي ثلثه، وهو) أي ثلث ذلك (يخرج من ثلث ما بقي من ماله، فله) أي الموصى له (جميع ما بقي) ؛"لأن الوصية تعلقت بعينها؛ بدليل أنه لو قاسمه الورثة استحق ذلك، وما تعلقت الوصية بعينه يستحقه الموصى له إذا خرج من الثلث، كما لو أوصى بثلث شيء بعينه فاستحق ثلثاه."
(وإن أوصى له بثلث ثيابه فهلك ثلثاها، وبقي ثلثها، وهو) أي الثلث الباقي (يخرج من ثلث ما بقي من ماله، لم يستحق) الموصى له (إلا ثلث ما بقي من الثياب) قال في الهداية: قالوا: هذا إذا كانت الثياب من أجناس مختلفة، ولو كانت من جنس واحد فهو بمنزلة الدراهم، اهـ. أي: لأن الوصية حيث كانت الثياب مختلفة لم تتعلق بعينها، ولذا لا يقسم بعضها في بعض، بخلاف ما إذا كانت متحدة فإنها يقسم بعضها في بعض بمنزلة الدراهم.
(ومن أوصى لرجل بألف درهم) مثلا (وله) أي الموصي (مال عين ودين فإن خرجت الألف) الموصى بها (من ثلث العين دفعت) الألف الموصى بها (إلى الموصى له) ؛ لأنه أمكن إبقاء كل ذي حق حقه من غير بخس؛ فيصار إليه (وإن لم تخرج) الألف من الثلث العين (دفع إليه) أي الموصى له (ثلث العين، وكلما خرج شيء من الدين أخذ ثلثه، حتى يستوفي الألف) ؛ لأن الموصى له شريك الوارث، وفي تخصيصه بالعين بخس في حق الورثة؛ لأن للعين فضلا على الدين.
(وتجوز الوصية للحمل، وبالحمل، إذا) تحقق وجوده وقت الوصية بأن (وضع لأقل من ستة أشهر من يوم الوصية) لو زوج الحامل حيًا، ولو ميتًا وهي معتدة حين الوصية فلأقل من سنتين؛ بدليل ثبوت نسبه، اختيار وجوهرة.
(ومن أوصى لرجل بجارية إلا حملها صحت الوصية والاستثناء) ؛ لأن ما جاز إيراد العقد عليه جاز استثناؤه منه.