(ومن أوصى إلى عبد نفسه وفي الورثة كبار لم تصح الوصية) ، لأنه يصير مولى عليه من جهتهم، فلا يكون واليا عليهم، ولا على غيرهم، لأن الوصية لا تتجزأ فلو كان الكل صغارًا جاز عند أبي حنيفة، وقالا: لا يجوز أيضا، وقيل: قول محمد مضطرب، وعلى قول الإمام اعتمد الأئمة الأعلام. تصحيح (ومن أوصى إلى من يعجز عن القيام بالوصية) حقيقة (ضم إليه القاضي غيره) رعاية لحق الموصي والورثة، وإنما قيدنا العجز بالحقيقة لأنه لو شكا إليه ذلك لا يجيبه حتى يعرف ذلك حقيقة، لأنه قد يكون كاذبا تخفيفا على نفسه، وإن ظهر للقاضي عجزه أصلا استبدل به غيره، ولو كان قادرًا على التصرف أمينا فيه ليس للقاضي أن يخرجه، لأنه لو اختار غيره كان دونه، لما أنه مختار الميت ومرضيه، فإبقاؤه أولى، ولهذا قدم على أب الميت مع وفور شفقته، فأولى أن يقدم على غيره، وكذا إذا شكا الورثة أو بعضهم الوصي للقاضي، فإنه لا ينبغي أن يعزله حتى يبدو منه خيانة، لأنه استفاد لولاية من الميت، وتمامه في الهداية، وفي الجامع الفصولين من الفصل السابع والعشرين: الوصي من الميت لو عدلا كافيا ينبغي للقاضي أن يعزله، فلو عزله قيل: ينعزل، أقول: الصحيح عندي أنه لا ينعزل، لأن الموصي أشفق بنفسه من القاضي، فكيف يعزله؟ وينبغي أن يفتي به لفساد قضاة الزمان، اهـ. وفي البحر: فقد ترجح عدم صحة العزل للوصي، فكيف بالوظائف في الأوقاف، اهـ.
(ومن أوصى إلى اثنين) معًا، أو على التعاقب (لم يجز لأحدهما أن يتصرف عند أبي حنيفة ومحمد دون صاحبه) ؛ لأن الولاية تثبت بالتفويض فيراعى وصفه - وهو وصف الاجتماع - إذ هو شرط مفيد (إلا في) أشياء ضرورية ليست من باب الولاية، وهي ما استثناها المصنف وأخواتها، وذلك مثل (شراء كفن الميت وتجهيزه) ، لأن في التأخير فساد الميت، ولهذا لا يملكه الجيران عند ذلك (وطعام الصغار وكسوتهم) خشية ضياعهم (ورد وديعة بعينها) ورد مغصوب ومشترى شراء فاسدًا، وحفظ أموال (وقضاء دين عليه) ؛ لأنها ليست من باب الولاية، فإنه يملكه المالك وصاحب الدين إذا ظفر بجنس حقه، فكان من باب الإعانة، هداية (وتنفيذ وصية بعينها، وعتق عبد بعينه) ، لأنه لا يحتاج فيه إلى الرأي (والخصومة في حقوق الميت) ؛ لأن الاجتماع فيها متعذر ولهذا ينفرد بها أحد الوكيلين، وزاد في الهداية قبول الهبة؛ لأن في التأخير خيفة الفوات ولأنه تملكه الأم والذي في حجره؛ فلم يكن من باب الولاية، وبيع ما يخشى عليه التوى والتلف؛ لأن فيه ضرورة لا تخفى، وجمع الأموال الضائعة؛ لن في التأخير خشية الفوات؛ ولأنه يملكه كل من وقع في يده، فلم يكن من باب الولاية، اهـ.
قال الإسبيجاني: وقال أبو يوسف: يجوز لكل واحد منهما ما صنع، والصحيح قولهما، واعتمده الأئمة المصححون كما هو الرسم، تصحيح.
(ومن أوصى لرجل بثلث ماله ولآخر) أيضا (بثلث ماله، ولم تجز الورثة) ذلك (فالثلث بينهما نصفان) اتفاقا، لتساويهما في سبب الاستحقاق فيستويان في الاستحقاق، والثلث يضيق عن حقهما، فيكون بينهما (وإن أوصى لأحدهما بالثلث وللآخر بالسدس) ولم تجز الورثة (فالثلث بينهما أثلاثًا) اتفاقا أيضا؛ لأن الثلث يضيق عن حقيهما، فيقتسمانه على قدر حقيهما كما في أصحاب الديون (وإن أوصى لأحدهما بجميع ماله وللآخر بثلث ماله ولم تجز الورثة) ذلك (فالثلث بينهما على أربعة أسهم عند أبي يوسف ومحمد) على طريق العول: لصاحب الجميع ثلاثة أرباع، ولصاحب الثلث ربع، لأن الموصى قصد شيئين: الاستحقاق والتفضيل، وامتنع الاستحقاق لحق الورثة، ولا مانع من التفضيل، فيثبت كما في المحاباة وأختيها (سيذكر المصنف أختيها. وهما السعاية والدراهم المرسلة، وسيبينهما الشارح) ، كما في الهداية.
(وقال أبو حنيفة: الثلث بينهما نصفان) لأن الوصية وقعت بغير المشروع عند عدم الإجازة فتبطل أصلا، والتفضيل ثبت في ضمن الاستحقاق، فبطل ببطلانه، فتبقى الوصية لكل واحد منهما بالثلث وإن أجازت الورثة: فعلى قولهما يكون بينهما أرباعا على طريق العول، وعلى قول الإمام أثلاثا على طريق المنازعة. قال الإمام جمال الإسلام في شرحه: والصحيح قول أبي حنيفة، واعتمده الإمام البرهاني، والنسفي، وغيرهما، تصحيح.
(يتبع...)
@ (تابع... 1) : - الوصية غير واجبةٍ، وهي مستحبةٌ، ولا تجوز الوصية لوارثٍ إلا أن... ...
(ولا يضرب أبو حنيفة للموصى له بما زاد على الثلث إلا في) ثلاث مسائل (المحاباة، والسعاية، والدراهم المرسلة) : أي المطلقة عن التقييد أو ثلث أو نحوهما.
وصورة المحاباة: أن يكون لرجل عبدان، قيمة أحدهما ثلاثون، والآخر ستون، ولا مال له سواهما، فأوصى بأن يباع الأول من زيد بعشرة والثاني من عمرو بعشرين، فالوصية في حق زيد بعشرين وفي حق عمرو بأربعين، فيقسم الثلث بينهما أثلاثا، فيباع الأول من زيد بعشرين والعشرة وصية له، ويباع الثاني من عمرو بالأربعين والعشرون وصية له، فيأخذ عمرو من الثلث بقدر وصيته، وإن كانت زائدة على الثلث.