ومن أوصى لزيدٍ وعمرو بثلث ماله، فإذا عمروٌ ميتٌ، فالثلث كله لزيدٍ وإن قال:"ثلث مالي بين زيد وعمروٍ"وزيدٌ ميتٌ كان لعمروٍ نصف الثلث.
ومن أوصى بثلث ماله ولا ماله له ثم اكتسب مالا استحق الموصى له ثلث ما يملكه عند الموت، واللّه أعلم.
وجه مناسبة الوصايا للحظر والإباحة ظاهرة من حيث إنها تعتريها تلك الأحكام وأراد بالوصايا ما يعم الوصية والإيصاء، يقال:"أوصي إلى فلان"أي جعله وصيا، والاسم منه الوصاية، و"أوصى لفلان"بمعنى ملكه بطريق الوصية، والمصنف لم يتعرض للفرق بينهما وبيان كل واحد منهما بالاستقلال، بل ذكرهما في أثناء تقرير المسائل.
ثم الوصية اسم بمعنى المصدر، ثم سمى به الموصى به، وهي: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، وشرطها: كون الموصى أهلا للتمليك، وعدم استغراقه بالدين، والموصى له حيا وقتها، غير وارث ولا قاتل، والموصى به قابلا للتمليك بعد موت الموصى.
ولما كان الأصل فيها الاستحباب قال: (الوصية غير واجبة) ؛ لأنها تبرع بمنزلة الهبة، والتبرعات ليست واجبة، وهذا إذا لم يكن مشغول الذمة بنحو زكاة وفدية صوم وصلاة فرط فيها، وإلا فواجبة (وهي مستحبة) ؛ لأنها تبرع على وجه الصدقة ولذا قال في المجتبى: إنها على الغني مباحة، وعلى أهل الفسق مكروهة (ولا تجوز الوصية لوارث) لقوله صلى اللّه عليه وسلم:"إن اللّه قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث".
ويعتبر كونه وارثًا عند الموت لا عند الوصية: فمن كان وارثًا عند الوصية غير وارث عند الموت صحت له الوصية، وإن كان بالعكس لم تصح (إلا أن يجيزها الورثة) بعد موته وهم كبار؛ لأن الامتناع كان لحقهم، فتجوز بإجازتهم، وإن أجاز بعضهم دون بعض جاز على المجيز بقدر حصته (ولا تجوز) الوصية (بما زاد على الثلث) إلا أن يجيزها الورثة كما مر (ولا لقاتل) عمدًا كان أو خطأ، بعد أن كان مباشرًا ولو أجازتها الورثة جاز عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبي يوسف: لا تجوز، وعلى قولهما مشى الأئمة كما هو الرسم، تصحيح.
(ويجوز أن يوصي المسلم للكافر) أي الذمي (والكافر للمسلم) ، لأنهم بعقد الذمة ساووا المسلمين في المعاملات، ولهذا جاز التبرع من الجانبين في حالة الحياة، فكذا في حالة الممات، هداية.
(وقبول الوصية) إنما يعتبر (بعد الموت) ، لأنه أوان ثبوتها، لإضافتها إلى ما بعده، فلا تعتبر قبله (فإن قبلها الموصى له في حال الحياة أو ردها فذلك باطل) لا عبرة به.
(ويستحب أن يوصي الإنسان بدون الثلث) سواء كانت الورثة أغنياء أم فقراء؛ لأن في النتقيص صلة القريب بترك ماله عليهم، بخلاف استكمال الثلث؛ لأنه استيفاء تمام حقه، فلا صلة ولا منة، وتركها عند فقر الورثة وعدم استغنائهم بحصصهم أحب.
(وإن أوصى إلى رجل) أي جعله وصيا على تنفيذ وصيته أو قضاء دينه أو على أولاده الصغار (فقبل الوصي في وجه الموصي) ثم بدا له (فردها في غير وجهه) في حياته أو بعد موته (فليس) ذلك (برد) أي لم يصح رده، لأن الميت مضى إلى سبيله معتمدًا عليه، فلو صح رده في غير وجهه صار مغرورًا من جهته فرد رده، هداية.
(وإن ردها في وجهه فهو رد) ، لأنه ليس له إلزامه على قبولها، وإن لم يقبل ولم يرد حتى مات الموصي فهو بالخيار، فإن باع شيئًا من تركته فقد لزمته، لأنه دلالة القبول وهو معتبر بعد الموت، وسواء علم بالوصاية أو لم يعلم، وتمامه في الجوهرة.
(والموصى به يملك بالقبول) ، لأن الوصية مثبته للملك، والقبول شرط للدخول فيه؛ بخلاف الإرث، فإنه خلافة فيثبت الملك من غير قبول (إلا في مسألة واحدة) فإن الموصى به فيها يملك من غير قبول (وهي أن يموت الموصي ثم يموت الموصى له قبل القبول) والرد (فيدخل الموصى به في ملك ورثته) ، لأن الوصية قد تمت من جانب الموصى بموته تماما لا يلحقه الفسخ من جهته، وإنما توقف لحق الموصى له، فإذا مات دخل في ملكه كما في البيع المشروط فيه الخيار للمشتري إذا مات قبل الإجازة.
(ومن أوصى إلى عبد) لغيره (أو كافر أو فاسق أخرجهم القاضي من الوصية ونصب غيرهم) إتمامًا للنظر، لأن العبد مملوك المنافع، والكافر معاداته الدينية باعثة على ترك النظر، والفاسق متهم بالخيانة، وتعبيره بإخراجهم يشير إلى صحة الوصية، لأن الإخراج بعدها، فلو تصرفوا قبل الإخراج جاز، سراجية. وفي شرح الإسبيجاني: هذا اللفظ يقتضي جواز الوصية، وذكر الشيخ أبو الحسن أنها باطلة، فيحتمل أن معنى ذلك أن للقاضي أن يبطلها، ويحتمل أنها باطلة، والأول أصح. اهـ].