(وإذا قال المدعي: لي بينة حاضرة) في المصر (قيل لخصمه: أعطه كفيلا بنفسك ثلاثة أيام) ؛ لئلا يغيب نفسه فيضيع حقه، والكفالة بالنفس جائزة عندنا وأخذ الكفيل لمجرد الدعوى استحسان عندنا لأن فيه نظرا للمدعي، وليس فيه كثير ضرر بالمدعى عليه، والتقدير بثلاثة أيام مرويٌ عن أبي حنيفة، وهو الصحيح، ولا فرق في الظاهر بين الخامل والوجيه والحقير من المال والخطير كما في الهداية (فإن فعل) أي أعطى كفيلا بنفسه فيها (وإلا أمر بملازمته) لئلا يذهب حقه (إلا أن يكون) المدعى عليه (غريبًا) مسافرًا (على الطريق فيلازمه مقدار مجلس القاضي) فقط، وكذا لا يكفل إلا إلى آخر المجلس؛ فالاستثناء منصرف إليهما؛ لأن في أخذ الكفيل والملازمة زيادة على ذلك إضرارًا به يمنعه عن السفر، ولا ضرر في هذا المقدار ظاهرًا، هداية.
(وإذا قال المدعى عليه) في جواب مدعي الملك (هذا الشيء) المدعى به، منقولا كان أو عقارًا (أودعنيه فلان الغائب) أو أعارنيه، أو أجرنيه (أو رهنه عندي، أو غصبته منه) أي من الغائب (وأقام بينة على ذلك) وقال الشهود: نعرفه باسمه ونسبه أو بوجهه، وشرط محمد معرفته بوجهه أيضًا، قال في البزازية: وتعويل الأئمة على قول محمد، اهـ (فلا خصومة بينه وبين المدعي) ؛ لأنه أثبت ببينته أن يده ليست بيد خصومة، وقال أبو يوسف: إن كان الرجل صالحًا فالجواب كما قلنا، وإن كان معروفًا بالحيل لا تندفع عنه الخصومة، قال في الدر: وبه يؤخذ، واختاره في المختار، وهذه مخمسة كتاب الدعوى، لأن فيها أقوال خمسة علماء كما بسط في الدر، أو لأن صورها خمس، اهـ. قيدنا بدعوى الملك لأنه لو كان دعواه عليه الغصب أو السرقة لا تندفع الخصومة؛ لأنه يصير خصما بدعوى الفعل عليه، لا بيده، بخلاف دعوى الملك، وتمامه في الهداية.
(وإن قال ابتعته من الغائب فهو خصم) ، لأنه لما زعم أن يده يد ملك اعترف بكونه خصما.
(وإن قال المدعى سرق) بالبناء للمجهول (منى) هذا الشيء (وأقام البينة) على دعواه (وقال صاحب اليد أودعنيه فلان وأقام البينة) على دعواه (لم تندفع الخصومة) قال في الهداية: وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو استحسان، وقال محمد: تندفع؛ لأنه لم يدع الفعل عليه فصار كما إذا قال: غصب مني - على ما لم يسم فاعله - ولهما أن ذكر الفعل يستدعي الفاعل لا محالة، والظاهر أنه هو الذي في يده، إلا أنه لم يعينه درءًا للحد عنه شفقة عليه و إقامة لحسبة الستر، فصار كما إذا قال"سرقت"بخلاف الغصب؛ لأنه لا حد فيه فلا يحترز عن كشفه، اهـ. قال الإسبيجاني: والصحيح الاستحسان، وعليه اعتمد الأئمة المصححون، تصحيح.
(وإذا قال المدعي ابتعته من فلان) الغائب (وقال صاحب اليد أودعنيه فلان سقطت الخصومة) عن المدعى عليه (بغير بينة) لتصادقهما على أن الملك لغير ذي اليد؛ فلم تكن يده يد خصومة، إلا أن يقيم المدعي البينة أن فلانًا وكله بقبضه، لإثباته كونه أحق بإمساكه.
(واليمين) إنما هي (باللّه تعالى دون غيره) لقوله صلى اللّه عليه وسلم: (من كان منكم حالفًا فليحلف باللّه أو ليذر)
(ويؤكد) أي يغلظ اليمين (بذكر أوصافه) تعالى المرهبة، كقوله قل: واللّه الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، وله أن يزيد على هذا أو ينقص، إلا أنه يجتنب العطف كيلا يتكرر اليمين، لأن المستحق عليه يمين واحدة، والاختيار فيه إلى القاضي، وقيل: لا يغلظ على المعروف بالصلاح، ويغلظ على غيره، وقيل: يغلظ في الخطير من المال دون الحقير، كما في الهداية.
(يتبع...)
@ (تابع... 2) : - المدعي: من لا يجبر على الخصومة إذا تركها.... ...
(ولا يستحلف بالطلاق، ولا بالعتاق) في ظاهر الرواية، قال قاضيخان: وبعضهم جوز ذلك في زماننا، والصحيح ظاهر الرواية، تصحيح. فلو حلف به فنكل لا يقضي عليه بالنكول؛ لنكوله عما هو منهي عنه شرعا.
(ولا يستحلف اليهودي باللّه الذي أنزل التوراة على موسى، والنصراني باللّه الذي أنزل الإنجيل على عيسى، والمجوسي باللّه الذي خلق النار) فيغلظ على كل بمعتقده، فلو اكتفى باللّه كفى كالمسلم، اختيار. قال في الهداية: هكذا ذكر محمد في الأصل، ويروى عن أبي حنيفة أنه لا يستحلف غير اليهودي والنصراني إلا باللّه، وهو اختيار بعض مشايخنا؛ لأن في ذكر النار مع اسم اللّه تعالى تعظيمها، وما ينبغي أن تعظم. بخلاف الكتابين؛ لأن كتب اللّه تعالى معظمة، والوثني لا يحلف إلا باللّه تعالى؛ لأن الكفرة بأسرهم يعتقدون اللّه، قال اللّه تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن اللّه} . اهـ.
(ولا يحلفون في بيوت عباداتهم) ، لكراهة دخولها، ولما فيه من إيهام تعظيمها.
(ولا يجب تغليظ اليمين على المسلم بزمان) كيوم الجمعة بعد العصر (ولا بمكان) كبين الركن والمقام بمكة، وعند منبر النبي صلى اللّه عليه وسلم في المدينة؛ لأن المقصود تعظيم المقسم به، وهو حاصل بدون ذلك، وفي إيجاب ذلك تكليف القاضي حضورها، وهو مدفوع، هداية.