(وإن ادعى) اثنان على ثالث ذي يد (أحدهما شراء) منه (والآخر هبة وقبضًا وأقاما البينة) على ذلك (ولا تاريخ معهما فالشراء أولى) لأنه أقوى؛ لكونه معاوضة من الجانبين، ولأنه يثبت بنفسه، بخلاف الهبة؛ فإنه يتوقف على القبض.
(وإن ادعى أحدهما الشراء وادعت امرأة أنه تزوجها عليه فهما سواء) لاستوائهما في القوة؛ لأن كلا منهما معاوضة من الجانبين، ويثبت الملك بنفسه. (وإن ادعى أحدهما رهنًا وقبضًا والآخر هبة وقبضًا فالرهن أولى) .
قال في الهداية: وهذا استحسان، وفي القياس الهبة أولى؛ لأنها تثبت الملك، والرهن لا يثبته، وجه الاستحسان أو المقبوض بحكم الرهن المضمون؛ وبحكم الهبة غير مضمون، وعقد الضمان أولى، اهـ.
(وإن أقام) المدعيان (الخارجان البينة على الملك والتاريخ) المختلف (فصاحب التاريخ الأبعد) أي الأسبق تاريخًا (أولى) ؛ لأنه أثبت أنه أول المالكين؛ فلا يتلقى الملك إلا من جهته ولم يتلق الآخر منه.
(وإن ادعيا الشراء من واحد) أي غير ذي يد لئلا يتكرر مع ما سبق (وأقاما البينة على التاريخين) المختلفين (فالأول أولى) لما بينا أنه أثبته في وقتٍ لا منازع له فيه.
(وإن أقام كل واحد منهما بينة على الشراء من آخر) بأن قال أحدهما: اشتريت من زيد، والآخر من عمرو (وذكرا تاريخًا) متفقًا أو مختلفًا (فهما سواء) لأنهما يثبتان الملك لبائعهما، فيصيران كأنهما أقاما البينة على الملك من غير تاريخ، فيخير كل منهما بين أخذ النصف بنصف الثمن وبين الترك.
(وإن أقام الخارج البينة على ملك مؤرخ، و) أقام (صاحب اليد البينة على ملك أقدم تاريخًا كان) ذو اليد (أولى) ؛ لأن البينة مع التاريخ متضمنة معنى الدفع، قال في الهداية وشرح الزاهدي: وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو رواية عن محمد، وعنه: لا تقبل بينة ذي اليد، وعلى قولهما اعتمد المحبوبي والنسفي وغيرهما كما هو الرسم، تصحيح.
(وإن أقام الخارج وصاحب اليد كل واحد منهما بينة بالنتاج) من غير تاريخ أو أرخا تاريخًا واحدًا، بدليل ما يأتي (فصاحب اليد أولى) ، لأن البينة قامت على ما لا تدل عليه اليد فاستويا، وترجحت بينة ذي اليد؛ فيقضي له، ولو تلقى كل واحد منهما الملك من رجل وأقام البينة على النتاج عنده فهو بمنزلة إقامتها على النتاج في يد نفسه؛ لما ذكرنا، ولو أقام أحدهما البينة على الملك المطلق والآخر على النتاج فصاحب النتاج أولى أيهما كان؛ لأن البينة قامت على أولية الملك؛ فلا يثبت للآخر إلا بالتلقي من جهته، وكذا إذا كانت الدعوى بين خارجين فبينة النتاج عنده أولى، لما ذكرناه، ولو قضى بالنتاج لصاحب اليد ثم أقام ثالث البينة على النتاج يقضى له، إلا أن يعيدها دو اليد، لأن الثالث لم يصر مقضيا عليه بتلك القضية، وكذا المقضي عليه بالملك إذا أقام البينة على النتاج تقبل بينته وينقض القضاء؛ لأنه بمنزلة النص، هداية.
(وكذلك) أي مثل النتاج (النسج في الثياب التي لا تنسج إلا مرة واحدة) كالكرباس (و) كذا (كل سبب في الملك لا يتكرر) كغزل القطن، وحلب لبن، وجز صوف، ونحو ذلك، لأنه في معنى النتاج، فإن كان يتكرر كالبناء والغرس قضى به للخارج بمنزلة الملك المطلق، وإن أشكل يرجع به إلى أهل الخبرة، فإن أشكل عليهم قضى به للخارج، وتمامه في الهداية (وإن أقام الخارج البينة على الملك) المطلق (وصاحب اليد بينة على الشراء منه كان) صاحب اليد (أولى) ؛ لأنه أثبت تلقي الملك منه؛ فصار كما إذا أقر بالملك له ثم ادعى الشراء منه (وإن أقام كل واحد منهما البينة على الشراء من الآخر ولا تاريخ معهما تهاترت البينتان) ويترك المدعى به في يد ذي اليد.
قال في الهداية: وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يقضي بالبينتين، ويكون للخارج، اهـ. قال في التصحيح: وعلى قولهما اعتمد المصححون، وقد رجحوا دليلهما قولا واحدًا، اهـ.
(وإن أقام أحد المدعيين شاهدين، و) أقام (الآخر أربعة) أو أكثر (فهما سواء) لأن كل شهادة علةٌ تامة، وكذا لو كانت إحداهما أعدل من الأخرى، لأن العبرة لأصل العدالة، إذ لا حد للأعدلية كما في الدر.
(ومن ادعى قصاصًا على غيره فجحده) المدعى عليه (استحلف) إجماعًا، لأنه منكر (فإن نكل عن اليمين فيما دون النفس لزمه القصاص، وإن نكل في النفس حبس حتى يقرأ أو يحلف) وهذا عند أبي حنيفة؛ لأن النكول عنده بذلٌ معنى، والأطراف ملحقة بالأموال، فيجري فيها البذل، ولهذا تستباح بالإباحة كقلع السن عند وجعه وقطع الطرف عند وقوع الآكلة، بخلاف النفس، فإن أمرها أعظم، ولا تستباح بحال، ولهذا لو قال له"اقتلني"فقتله تجب الدية (وقالا: يلزمه الأرش فيهما) ؛ لأن النكول عندهما إقرار فيه شبهة، فلا يثبت به القصاص، ويثبت به الأرش، قال في التصحيح: وعلى قول الإمام مشى المصححون.