فهرس الكتاب

الصفحة 331 من 428

وأما المسألة الثانية التي تضمنها الحديث فهي أن حد الرجل غير المحصن والمرأة غير المحصنة أن يجلد كل واحد منهما مائة جلدة ويغرب عاما، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يجمع بين الجلد والتغريب حدا، وذهب الشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي إلى أنه يجمع بينهما حدا، تمسكا بهذا الحديث. ولأن في بقاء الزاني والزانية ببلدهما إشاعة للفاحشة وفي تغريبهما حسما لمادة الزنا، لأن كلا منهما يغرب إلى بلد لا يعرفه فيها أحد أو يقل من يعرفه فيها، وأما أبو حنيفة وأصحابه فقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بالآية الكريمة: وهي قول اللّه تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائسة جلدة} وجه الاستدلال من الآية على ما ذكرنا أنه سبحانه قد جعل كل الحد جلد كل واحد منها مائة جلدة، فلا تجوز الزيادة عليه، وأما الحديث الذي تمسك فيه الشافعي فهو منسوخ الحكم في هذه المسألة كما أنه منسوخ الحكم في المسألة الأولى بالإجماع من الطرفين، وأما استدلالهم بما ذكرنا عنهم من العلة فهو معارض بأن التغريب قد يكون فتحا لباب الزنا، وذلك لأن المرأة إذا تغربت ولا مادة لها فقد تتخذ الزنا مكسبة، وهذا أشنع وجوه الزنا، ويؤكد ذلك قول علي ابن أبي طالب:"كفى بالنفي فتنة"كما في الهداية (إلا أن يرى الإمام ذلك مصلحة فيغربه على قدر ما يراه) من المصلحة، وذلك تعزيز وسياسة، لأنه قد يفيد في بعض الأحوال، فيكون الرأي فيه للإمام، وعليه يحمل النفي المروي عن بعض الصحابة رضي اللّه عنهم، هداية.

(وإذا زنى المريض وحده) الواجب عليه (الرجم رجم) لأن الإتلاف مستحق، فلا يمتنع بسبب المرض (وإن كان حده الجلد لم يجلد حتى يبرأ) تحرزًا عن التلف (وإذا زنت الحامل) ووجب عليها الحد (لم تحد حتى تضع حملها) تحرزًا عن إهلاك الولد، لأنه نفس محتومة (فإن كان حدها الجلد فحتى تتعالى) أي ترتفع وتخرج (من نفاسها) ؛ لأنه نوع مرض فيؤخر إلى البرء (وإن كان حدها الرجم رجمت) بمجرد وضع الحمل، لأن التأخير لأجل الولد وقد انفصل، وعن أبي حنيفة أنها تؤخر إلى أن يستغني الولد عنها إذا لم يكن أحد يقوم بتربيته، لأن في التأخير صيانة الولد عن الضياع كما في الهداية. (وإذا شهد الشهود بحد متقادم لم يقطعهم عن إقامته بعدهم عن الإمام) أو مرضهم أو خوف طريقهم (لم تقبل شهادتهم) للتهمة، لأن التأخير إن كان لاختيار الستر فالإقدام على الأداء بعد ذلك لضغينة هيجته أو لعداوة حركته فيتهم فيها وإن كان لغير الستر يصير فاسقًا آثمًا فتيقنا بالمانع (إلا في حد القذف خاصة) : أي فتقبل؛ لأن فيه حق العبد، لما فيه من دفع العار عنه، والتقادم غير مانع في حقوق العباد، ولأن الدعوى فيه شرط فيحمل تأخيرهم على انعدام الدعوى فلا يوجب تفسيقهم، قال في الهداية: واختلفوا في حد التقادم، وأشار في الجامع الصغير إلى ستة أشهر، فإنه قال: بعد حين، وهكذا أشار الطحاوي، وأبو حنيفة لم يقدر في ذلك، وفوضه إلى رأي القاضي في كل عصر، وعن محمد أنه قدره بشهر، لأن ما دونه عاجل وهو رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو الأصح، اهـ، وقال قاضيخان: والشهر وما فوقه متقادم فيمنع قبول الشهادة، وعليه الاعتماد، اهـ.

(ومن وطئ أجنبية فيما دون الفرج) كتفخيذ وتبطين (عزر) ، لأنه منكر ليس فيه شيء مقدر، وشمل قوله (فيما دون الفرج) الدبر، وهو قول الإمام، لأنه ليس بزنا كما يأتي قريبًا.

(ولا حد على من وطئ جارية ولده وولد ولده) وإن سفل، ولو ولده حيا، فتح (وإن قال علمت أنها علي حرام) لأن الشبهة حكمية لأنها نشأت عن دليل هو قوله صلى اللّه عليه وسلم: (أنت ومالك لأبيك) والأبوة قائمة في حق الجد. هداية (وإذا وطئ جارية أبيه أو أمه) وإن عليا (أو زوجته أو وطئ العبد جارية مولاه وقال علمت أنهل تحل لي لم يحد) لأن بين هؤلاء انبساطا في الانتفاع، فظنه في الاستمتاع محتمل، فكان شبهة اشتباه، وكذا لو قالت الجارية (ظننت أنه يحل لي) والفحل لم يدع الحل، لأن الفعل واحد كما في الجوهرة (ومن وطئ جارية أخيه أو عمه قال ظننت أنها حلال حد) لأنه لا انبساط في المال فيما بينهما، وكذا سائر المحارم سوى الولاد لما بينا، هداية.

(ومن زفت إليه غير امرأته وقالت النساء إنها زوجتك فوطئها فلا حد عليه) لأنه اعتمد دليلا - وهو الإخبار - في موضع الاشتباه، إذ الإنسان لا يميز بين امرأته وبين غيرها في أول الوهلة، فصار كالمغرور (وعليه المهر) ؛ لما تقرر أن الوطء في دار الإسلام لا يخلو عن عقر أو عقر، وقد سقط الحد بالشبهة فيجب المهر (ومن وجد امرأة) نائمة (على فراشه فوطئها فعليه الحد) لأنه لا اشتباه بعد طول الصحبة، فلم يكن الظن مستندًا إلى دليل، وهذا لأنه قد ينام على فراشها غيرها من المحارم التي في بيتها، وكذا إذا كان أعمى، لأنه يمكنه التمييز بالسؤال أو غيره، إلا إذا دعاها فأجابته وقالت (أنا زوجتك) لأن الإخبار دليل هداية. (ومن تزوج امر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت