ويقول المجاهد"جمعة"استمر التحقيق معي 45 يومًا ولم أذق النوم إلا فترات قليلة فقط .. وطلبوا مني الاعتراف بإلقاء قنبلة، الحكم عليها مدى الحياة في حالة الاعتراف .. وعندما كنت أجد نفسي على حافة الانهيار كنت أتذكر وجه أطفالي الصغار .. فتصيبني هزة من الداخل أتركهم مدى الحياة .. أم أصبر أيامًا .. وكنت أتجلد بقوة صمود جديدة تدفعني للصبر والتحمل حتى لو استمر الوقوف والسهر شهورًا .. إن دافع عدم ترك الأطفال جعله يتحمل 45 يومًا .. فكيف بدافع الإيمان العميق بالله وبالقضية اعتقل الأخ حسين، وبدأت المخابرات دورة تحقيق عنيفة معه من أجل انتزاع اعتراف منه، ولكنه كان صلبًا كالطود، ولم يتراجع عن موقفه الثابت .. استخدم المحققون معه عدة أساليب من أجل تركيعه أو دفعه للاهتزاز والاعتراف .. ولكنه لم يعترف، وكلما نالوا منه بالتعذيب كلما زاد إصراره، وثباته .. ورغم تأثره بعوامل الضغط والتعذيب الخارجية إلا أن روحه كانت تشرق دومًا بالصمود، وإرادته كانت تورق بالثبات ..
قرر المحققون أن يمارسوا معه أسلوب السهر والحرمان من النوم، ومن الجلوس، وأن يبقى واقفًا .. يحرسه جندي وبدأوا في عد الأيام في مفكرة خاصة به إن للنوم كحاجة بيولوجية سلطانًا على الجسد مع مرور الساعات، والأيام والليالي يهاجمه، وهو مرهق، متعب، كلما كان النوم يحاول أن يتغلب عليه لثوان .. كان الجندي يلكزه ليوقظه وليمنعه من النوم في وضعية الوقوف لا يستطيع الإنسان النوم طالما أعصابه مشدودة وأية سنة من النوم إذا ما سيطرت على الإنسان وهو في وضعية الوقوف يتأرجح، ويسقط على الأرض .. حيث يستيقظ مباشرة .. ويستمر الصراع على الجسد الواقف بين قوة النوم، وسهر الجندي الرابض لمنعه من النوم بقي الأخ حسين، لفترة أحد عشر يومًا متواصلة بدون انقطاع ممنوعًا من النوم وفي الأيام الأخيرة .. سيطر لا شعوره المرهق عليه وبدأ في الهذيان، ولم يعد يسيطر بشكل طبيعي على نفسه وبينما كان الضابط المحقق يسجل في مفكرته اليوم الحادي عشر حضر المدير العام لقسم التحقيق واستدعاه .. وعندما جلس الأخ حسين على الكرسي .. وارتخت أعصابه، وتخلص من مضايقة الجندي سقط رأسه على الطاولة رغم إرادته .. صرخ عليه المدير وحاول أن يوقظه، ويتحدث معه، وفي اللحظة التي كان يرفع رأسه، كانت تخرج منه كلمات، وجمل غريبة غير مفهومة وكان رأسه المثقل يسقط من جديد .. استدعى المدير الضابط المحقق، وسأله كم يومًا لم ينم هذا الأسير .. ؟ أجاب أحد عشر يومًا ذهل المدير وقال: أحد عشر يومًا .. لقد جننتموه .. نحن لا نريده أن يجن نحن نريد معلومات .. وأمر فورًا بإنزاله إلى الزنزانة لكي ينام أربعة أيام متواصلة .. ليعود لحالته الطبيعية، ويستمر التحقيق معه .. حتى يعترف.
رغم أن جانب وعي الأخ حسين لم يعد قادرًا على تحمل الأرق، والإرهاق والنعاس الملح، ولم يعد قادرًا على مواجهة قهر النوم الدافق ورغم الضغط المتواصل على الإرادة لكي تلين، وتستسلم .. إلا أن روحه المشبعة بالإيمان والوعي، والموقف الرسالي كان يرفد إرادته فيصلبها ويحولها إلى فولاذ .. وأمام هذا الضغط المتواصل .. اهتز جانب الوعي وكاد أن ينهار، فاستيقظ اللاوعي، لكي يغطي جانب الفراغ الذي تركه الوعي في محيط النفس مما شكل حالة ما تشبه الهذيان.