في هذا الموضوع .. ولا أريد منك ردًا الآن .. مع السلامة، ويصرخ المحقق على الجندي لكي ينزل المجاهد للزنزانة حتى يستريح.
ينزل المجاهد إلى الزنزانة، وهناك تتزاحم في رأسه الأفكار .. لقد صمدت، ولم اعترف هل يمكن أن أوقف إداريًا عشرات السنين، وهل ممكن أن يلفقوا لي قضية خطيرة، وأحكم مدى الحياة هل أعيش هذه الفترة الطويلة من دون أن اعترف مستحيل .. ولو عشتها بماذا سأخدم الإسلام والوطن في السجن سأكون مشلولًا ولن أخدم لاديني ولا وطني، هل أقبل فكرة التعامل، مستحيل .. مستحيل .. إذا والمخرج مدى الحياة مستحيل .. تعامل، مستحيل وهنا تتوارد الأفكار في هذا الجو القاتل وتبرز فكرة الخلاص من دون مدى الحياة ومن دون التعامل أوافق على التعامل كحيلة مرحلية، وعندما أخرج اضحك عليهم .. وستحاول النفس تأكيد هذه الوسوسات .. عندما أخرج .. أعيش مطاردًا .. اقتل منهم كل يوم واحدًا وأجعلهم يدفعون الثمن غاليًا، وأخدم قضيتي.
إن فكرة التحايل على المخابرات وقبول التعامل، فكرة قد تقبلها بعض النفسيات في ظروف التحقيق الصعبة، ولكنها فكرة الشيطان (إن الشيطان لكم عدوٌ فاتخذوه عدوًا، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) .
إن رفض المجاهد لكل أضغاث الأحلام، ولكل وسوسة تأتيه من الشيطان، رفضه لفكرة التعامل تعني فشل هذا الأسلوب ولكن إذا ترددت نفسه وحاول إقناع ذاته بالخروج للعمل والجهاد، وسحق المحتلين، ووافق على الفكرة فهذا يعني اهتزازًا داخليًا قد أصابه ونجح الشيطان في الإيقاع به عندما يجد المحقق أن المجاهد قد وافق على فكرة التعامل، يُسر بذلك ويشعر أن حيلته انطلت على المجاهد، وإن شباكه ستخرج مليئة هذه المرة لذلك سيقول للمجاهد ممتاز جدًا لقد أحسنت الخيار، وأنقذت نفسك وأنا موافق فقط أنا لا املك قرارًا سوف أعرض ذلك على اللجنة، وأنا سأويد الفكرة وخلال يوم أو يومين، سأبلغك القرار ويترك المجاهد طوال هذين اليومين يعيش في دوامة الحلم، والخيبة، وبعد يومين، يقول المحقق للمجاهد مبروك لقد وافقوا .. جهز؟؟ نفسك إفراج فقط طلبوا شرطًا صغيرًا جدًا أن تُبدي حسن نية، حتى يثقوا بك هنا يظهر التردد والقلق، والتراجع على المجاهد ولكن قبل أن يتفوه بكلمة يعاجله المحقق ما بك هم لا يطلبون شيئًا كبيرًا .. أي شيء تافه، أي شيء هامشي .. لا يؤثر عليك .. وأنا سوف أباشر بعمل إجراءات الإفراج، وغدًا الساعة الحادية عشر صباحًا، ستشاهد الشمس، وتستنشق نسيم الحرية .. عليك فقط أن تقدم أي شيء صغير، ولا تفكر فيه .. انزل الآن وبعد ساعتين سأغادر وأريد أن اقدم لهم أي شيء صغير قبل أن أغادر .. وسألقاك بعد 45 يوم، جيد.
يقول العميل محمد عبد الحي .. اعتقلت في بداية السبعينات .. وكنت مناضلًا متميزًا بشهادة العدو، والصديق وساومني ضابط المخابرات على التعامل والخروج بعد تردد كبير وافقت، وقلت اخدعهم .. طلبوا مني إبداء حسن نية، اعترفت على مناضل كنت قد جندته، ولم اعترف عليه خلال فترة التحقيق، وفي ساعة متأخرة من الليل أخذوني بسيارة عسكرية إلى منزل المناضل ولم يعصبوا عينيه، حاولت أن أخفي وجهي حتى لا يعرفني، ولكنهم أجبروني على الوقوف المباشر .. وما إن خرج المناضل مع الجنود من الباب .. حتى شاهدني أمامه .. ولا يوجد أحد يعرف انه مناضل سواي هنا صرخ المناضل، وقال عملتها!!؟ ولم أدري بعدها ماذا حدث .. كل ما اذكره أن مجموعة رشاشات فُتحت، ومزق الرصاص جسد المناضل، وتُرك مضرجًا بدمائه على الأرض، وعادت بنا السيارات إلى المعتقل وضميري يصرخ قتلته .. قتلته .. أنت خائن .. أنت خائن .. وبالفعل بعدها أصبحت عميلًا.