المقدمة:
الحمد لله الواحد الأحد , الماجد الصمد , مؤقت الآجال, ومقدر الأعمال, وسامع الأقوال, وعالم الأحوال , مثبت الآثار , ووارث الأعمار , رافع الأخيار , وواضع الأشرار, مادح الأبرار, وقاصم الفجار , البصير السميع , العزيز المنيع , الذي من رفع فهو الرفيع , ومن وضع فهو الوضيع , بين وأنار , واصطفى واختار, اصطفى الرسل والأنبياء على سائر البرية , واختار أتباعهم على جميع الورى والخليقة , فجعل لكل نبي أمة وأصحابًا , ولكل رسول أنصارًا وأعوانًا , رفع بهم المنازل , وشرف بهم القبائل , فجعل نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - , سيد الأنبياء والمرسلين , وجعل أمته سيدة الأمم والماضين , وفضل أصحابه على جميع أتباع المرسلين والنبيين. [1]
أما بعد:
إن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - اتَّصفوا , بالصفات الذاتية الفائقة من حسن النية , وسلامة الطوية , وصفاء الذهن , والصبر والإيمان , والتضحية والإحسان , بذلوا أنفسهم , وأموالهم , وأولادهم , وكل ما يستطيعون , في سبيل مرضاة الله , فلهم الفضل في نقل الشريعة والدين , ولهم الفضل في الفتح والتمكين , فارقوا الأوطان , وهجروا الخلان , وتركوا أعز شيء عليهم , راضين مختارين , إلى أرض لا عهد لهم بها , وأمم لا نسب ولا ألفة بينهم وبينها , كل ذلك في سبيل الله , لا يعرف عظمة هذا الجيل إلا من قرأ سيرته , وتابع حركته ومسيرته , إن موقعهم في الصدارة من البشرية , لا يتقدمهم إلا الأنبياء والرسل الكرام , إنهم جيل نصر , وثلة خير , وأئمة دعوة , وما أجمل ما قاله أبو بكر الخطيب البغدادي عنهم بعد أن ساق جملة من النصوص في بيان فضلهم، وعدالتهم قال:"على أنه لو لم يرد من الله - عز وجل - ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها، من الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم , والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم"
(1) من مقدمة أبي نعيم الأصبهاني لكتابه معرفة الصحابة 1/ 105.