وقوله: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ)
حجة لمن يزعم أن صلاة الجماعة فرض ، إذ لا تجوز أفعال الضرورة - من التقدم والتأخر والانتظار - في صلاة يستطيع المنفرد أن لا يفعلها ولو فعلها فسدت عليه ، إلا وإقامتها في الجماعة فرض ، ويؤيد هذا من قوله:"تواعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحراق بيوت من تخلف عنها".
وهذه النكتة من الكتاب والسنة ، وإن كان فيها متعلق ، فليس الأمر عندي كذلك ، إذ ابتداء الآية ليس فيه أمر بإقامتها كذلك. إنما هو تعليم له ، صلى الله عليه وسلم ، كيف يصليها بأصحابه ، واستدلاله بأفعال الضرورة فيها على إيجابها ليس كذلك ، إذ العمل على الجملة في الصلاة مفسد لها ، وقد عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة أعمالا وأمر بأخرى منها: حمله أسامة ، وفتحه الباب ،
وأمره بقتل الحية ، والعقرب. فلم يجز أن يباح سائر الأعمال فيها اعتبارا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - عمل بعضها والموجب بصلاة الجماعة المعتبر بصلاة الخوف وما ذكرنا من السنة لا يقول بالقياس. فكيف يجوز له الاعتبار بأعمال الضرورة فيها على إيجابها ، بل يلزمه أن يسلم لكل هذه الأشياء في مواضعها ولا يحمل غيرها عليها. والذي يسلط عليه النظر - والله أعلم - أن صلاة الخوف صليت في جماعة ليبادر بالفراغ منها خروج الوقت إذ لا يمكن لجيش أن يصلي واحد بعد آخر قبل ذهاب الوقت ، ولعلها صليت مع ذلك في آخر الوقت فكان أضيق عليهم. وما احتج به من وعيد النبي ، صلى الله عليه وسلم ، بتحريق البيوت ، فهو - والله أعلم - للمنافقين لا للمسلمين ، ألا تراه ، صلى الله عليه وسلم ، يقوله في الحديث:""