والضرر بالورثة عن طريق الوصية يتأتى بأن يوصى الموروث بأكثر من الثلث، أو به فأقل مع قصده الإِضرار بالورثة فقد روى النسائي في سننه عن ابن عباس أنه قال: الضرار في الوصية من الكبائر. وقال قتادة: كره الله الضرار في الحياة وعند الممات ونهي عنه.
والضرر بالورثة بسبب الدين يتأتى بأن يقر بدين لشخص ليس له عليه دين دفعا للميراث عن الورثة، أو يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه ووصل إليه، مع أنه لم يحصل شيء من ذلك.
وقد ذكر - سبحانه - هذه الجملة وهي قوله {غَيْرَ مُضَآرٍّ} بعد حديثه عن ميراث الإِخوة والأخوات من الأم، تأكيدا لحقوقهم، وتحريضا على أدائها، لأن حقوقهم مظنة الضياع والإِهمال. ولا يزال الناس إلى الآن يكادون يهملون نصيب الإِخوة لأم.
(وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا(22)
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : كيف استثنى ما قد سلف مما نكح آباؤهم؟
قلت: كما استثنى"غير أن سيوفهم"من قول الشاعر:
"ولا عيب فيهم"غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
يعني: إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه، فإنه لا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن والغرض المبالغة في تحريمه، وسد الطريق إلى إباحته كما يعلق بالمحال في التأييد نحو قولهم: حتى يبيض الفأر. وحتى يلج الجمل في سم الخياط.
«فإن قيل» : إن قيد {مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} يخرج الابن من الرضاع كما أخرج الابن بالتبنى؟
فالجواب على ذلك: أن الابن بالرضاع حرمت حليلته على أبيه من الرضاع بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"يرحم من الرضاع ما يرحم من النسب".
«فإن قلت» : فما معنى قوله {والله أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ} ؟
قلت: معناه: أن الله أعلم بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم في الإيمان ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم. وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة والمرأة أرجح في الإيمان من الرجل. وحق المؤمنين أن لا يعيروا إلا فضل الإيمان لا فضل الأحساب والأنساب. وهذا تأنيس بنكاح الاماء وترك الاستنكاف منه. وقوله {بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ} أي: أنتم وأرقاؤكم متناسبون متواصلون لاشتراككم في الإيمان لا يفضل حر عبدا إلا برجحان فيه.
{ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ}