قلت: ينطلق على واحد من ثلاثة: على من لم يخلف ولدا ولا والدا وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد، ومنه قولهم ما ورث المجد عن كلالة. كما تقول: ما صمت عن عى، وما كف عن جبن.
والكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الإعياء، قال الأعشى:
فآليت لا أرثى لها من كلالة ... فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد لأنها بالإِضافة إلى قرابتها كالّة ضعيفة. عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه سئل عن الكلالة فقال: الكلالة: من لا ولد له ولا والد.
والظاهر أن كلمة"كلالة هنا وصف للميت الموروث، لأنها حال من نائب فاعل قوله: {يُورَثُ} وهو ضمير الميت الموروث. والتقدير. وإن كان رجل موروثا حال كونه كلالة. أي؛ لم يترك ولدا ولا والدا. ويرى بعضهم أن كلمة هنا: وصف للوارث الذي ليس بولد ولا والد للميت. لأن هؤلاء الوارثين يتكللون الميت من جوانبه، وليسوا في عمود نسبه، كالإِكليل يحيط بالرأس، ووسط الرأس منه خال. من تكلله الشيء إذا أحاط به. فسمى هؤلاء الأقارب الذين ليسوا من أصول الميت أو من فروعه كلالة، لأنهم أطافوا به من جوانبه لا من عمود نسبه. وعلى هذا الرأي يكون المعنى وإن كان رجل يورث حال كونه ذا وارث هو كلالة. أي أن وارثه ليس بولد ولا والد له."
(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ(12)
«فإن قلت» : لم قدمت الوصية على الدين والدين مقدم عليها في الشريعة؟
قالت: لما كانت الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، كان إخراجها مما يشق على الورثة ويتعاظمهم ولا تطيب أنفسهم بها، فكان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدين فإن نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فلذلك قدمت على الدين بعثا على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين.
«فإن قلت» : ما معنى {أَوْ} ؟
قلت معناها الإِباحة، وأنه إذا كان أحدهما أو كلاهما، قدم على قسمة الميراث كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين. فأو هنا جئ بها للتسوية بينهما في الوجوب.
وقوله - تعالى - {غَيْرَ مُضَآرٍّ} يفيد النهي للموروث عن إلحاق الضرر بورثته عن طريق الوصية أو بسب الديون.