وبيّن الله تعالى أن من أقام ولم يهاجر فلا ولاء له، إلا أن يستنصروكم
على قومهم فتنصرونهم، وذلك في قوله: (مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) فمنع تعالى عن موالاتهم بقوله: (فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ) كما منع بتلك الآية، ولم يمنعهم من نصرتهم، ثم بيّن أنهم إن تولوا، أي ارتدوا عما أظهروه من الإِسلام، وكشفوا الغطاء بالكفر، فلا يجوز أن توالوهم، ولا أن تنصروهم بوجه.
«إن قيل» : هل يجوز أن يقتل المؤمن خطأ حتى قال: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) ؟
قيل: إن قولك يجوز أو لا يجوز. إنما يقال في الأفعال الاختيارية المقصودة، فأما الخطأ فلا يقال فيه ذلك.
وقولك: ما كان لك أن تفعل كذا، وقولك: ما كنت لتفعل كذا متقاربان، وهما تعليلان بمعنى، وإن كان أكثر ما يقال للأول لما كان الإِحجام عنه من قبل نفسه، ويدلّ على أنه قد يقال: ما كان لك أن تفعل كذا - لمِا ذكرنا - قوله: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ) ، لأن معناه: ما كان لله ليتخذ ولدا
في أنه لا نهي، وعلى هذا قوله: (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا) .
فقوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا) أي ما كان المؤمن ليقتل مؤمنا إلا خطأ، وهذا ظاهر، وهذا المعنى أراد من قال معناه: ما ينبغي للمؤمن أن يقتل مؤمنًا متعمدًا، ولكن يقع ذلك منه خطأ.
وكذا من قال: ليس في حكم الله أن يقتل المؤمن مؤمنا إلا خطأ.
وقال الأصم: معناه ليس القتل لمؤمنٍ بمتروك لا يقتص له إلا
أن يكون قتله خطأ، وهذا يرجع إلى الأول.
وقول بعض النحويين: إن هذا استثناء خارج فليس على التقدير الذي
ذكرناه، كذلك، بل هو واجب، وذكر على بن موسى القمّي
أن معنى ذلك: ليس للمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا أن يراه في دار
الحرب، فيظنه كافرا فيقتله خطأ، فيكون الخطأ راجعًا إلى القاتل