الْأَوَّلُ: أَنَّ فِيهِ نَوْعَيْنِ مِنَ التَّقْصِيرِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ بَالَغَ فِي الِاحْتِيَاطِ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفِعْلُ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ كَافِرٌ حَرْبِيٌّ، فَلَوْ أَنَّهُ بَالَغَ فِي الِاحْتِيَاطِ وَالِاسْتِكْشَافِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِيهِ، وَمَنْ رَمَى إِلَى صَيْدٍ فَأَخْطَأَ وَأَصَابَ إِنْسَانًا فَلَوِ احْتَاطَ فَلَا يَرْمِي إِلَّا فِي مَوْضِعٍ يَقْطَعُ بِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ إنسان فإنه لا يقطع فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، فَقَوْلُهُ: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ) تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُقَصِّرًا فِي تَرْكِ الِاحْتِيَاطِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي فِي الْجَوَابِ: أَنَّ قَوْلَهُ: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ) رَاجِعٌ إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى أَذِنَ لَهُ فِي إِقَامَةِ الصَّوْمِ مَقَامَ الْإِعْتَاقِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِذَا تَابَ عَلَى الْمُذْنِبِ فَقَدْ خَفَّفَ عَنْهُ، فَلَمَّا كَانَ التَّخْفِيفُ مِنْ لَوَازِمِ التَّوْبَةِ أَطْلَقَ لفظ التوبة لا رادة التخفيف إطلاقا لا سم الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ فِي الْجَوَابِ: أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا اتَّفَقَ لَهُ مِثْلُ هَذَا الْخَطَأِ فَإِنَّهُ يَنْدَمُ وَيَتَمَنَّى أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا وَقَعَ فَسَمَّى اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ النَّدَمَ وَذَلِكَ التَّمَنِّيَ تَوْبَةً.
(فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا(95) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96)
لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ) [التَّوْبَةِ: 111] فَقَدَّمَ ذِكْرَ النَّفْسِ عَلَى الْمَالِ، وَفِي الْآيَةِ الَّتِي نحن فيها وهي قوله: (الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) قَدَّمَ ذِكْرَ الْمَالِ عَلَى النَّفْسِ، فَمَا السَّبَبُ فِيهِ؟