وإما نفسُ الكتبِ المذكورة أعيد ذكرها بوصف خاص لم يذكر فيما سبق على طريقة العطفِ بتكرير لفظِ الإنزال تنزيلاً للتغاير الوصفيِّ منزلةَ التغايرِ الذاتيِّ كما في قوله سبحانه {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هودا والذين آمنو مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ}
وأما الزبورُ فإنه مشتمِلٌ على المواعظ الفارقة بين الحقِّ والباطِلِ الداعية إلى الخير والرشاد الزاجرةِ عن الشر والفساد، وتقديمُ الإنجيل عليه مع تأخره عنه نزولاً لقوة مناسبته للتوراة في الاشتمال على الأحكام والشرائع وشيوع اقترانهما في الذكر.
وأما القُرآنُ نفسه ذكر بنعت مادحٍ له بعد ما ذكر باسم الجنس تعظيماً لشأنه ورفعاً لمكانه، وقد بُين أولاً تنزيلُه التدريجيُّ إلى الأرض وثانياً إنزالُه الدفعيّ إلى السماء الدنيا، أو أريد بإنزال القدْرُ المشترك العاري عن قيد التدريج وعدمِه، وإما المعجزات المقرونة بإنزال الكتبِ المذكورة الفارقة بين المُحقِّ والمُبْطل.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) }
وتقديمُ الأرض على السماء لإظهار الاعتناء بشأن أحوالِ أهلِها، وتوسيطُ حرف النفي بينهما للدَلالة على الترقي من الأدنى إلى الأعلى باعتبار القربِ والبعدِ منا المستدعِيَين للتفاوت بالنسبة إلى علومنا.
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ... (7) }
ولامُ الكتاب للعهد، وتقديم الظرف عليه لما أشير إليه فيما قبل من الاعتناءِ بشأن بشارتِه عليه السلام بتشريف الإنزال عليه ومن التشويق إلى ما أُنزل فإنَّ النفسَ عند تأخيرِ ما حقُّه التقديمُ لا سيما بعد الإشعار برفعة شأنِه أو بمنفعته تبقَى مترقبةً لهُ فيتمكنُ لديها عند ورودِه عليها فضلُ تمكُّنٍ، وليتصل به تقسيمه إلى قسيمه.