وَقَوْلُهُ: (اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ كَسَرُوا رَبَاعِيَةَ نَبِيِّهِمْ) يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُبَاشِرَ لِذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اسْمَهُ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قلنا إنه خصوصي فِي الْمُبَاشِرِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ شَهِدَ أُحُدًا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(130)
وَإِنَّمَا خَصَّ الرِّبَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْمَعَاصِي، لِأَنَّهُ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ بِالْحَرْبِ فِي قَوْلِهِ: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [البقرة: 279]
وَالْحَرْبُ يُؤْذِنُ بِالْقَتْلِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تَتَّقُوا الرِّبَا هُزِمْتُمْ وَقُتِلْتُمْ.
فَأَمَرَهُمْ بِتَرْكِ الرِّبَا، لِأَنَّهُ كَانَ مَعْمُولًا بِهِ عِنْدَهُمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ(131)
قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: وَهَذَا الْوَعِيدُ لِمَنِ اسْتَحَلَّ الرِّبَا، وَمَنِ اسْتَحَلَّ الرِّبَا فَإِنَّهُ يَكْفُرُ وَيُكَفَّرُ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اتَّقُوا الْعَمَلَ الَّذِي يَنْزِعُ مِنْكُمُ الْإِيمَانَ فَتَسْتَوْجِبُونَ النَّارَ، لِأَنَّ مِنَ الذُّنُوبِ مَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ صَاحِبُهُ نَزْعَ الْإِيمَانِ وَيُخَافُ عَلَيْهِ، مِنْ ذَلِكَ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ عَاقًّا لِوَالِدَيْهِ يُقَالُ لَهُ عَلْقَمَةُ، فَقِيلَ لَهُ عَنْدَ الْمَوْتِ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جَاءَتْهُ أُمُّهُ فَرَضِيَتْ عَنْهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ وَأَكْلُ الرِّبَا والخيانة فِي الْأَمَانَةِ.
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَكْثَرُ مَا يُنْزَعُ الْإِيمَانُ مِنَ الْعَبْدِ عِنْدَ الْمَوْتِ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَنَظَرْنَا فِي الذُّنُوبِ الَّتِي تَنْزِعُ الْإِيمَانَ فَلَمْ نَجِدْ شَيْئًا أَسْرَعَ نَزْعًا لِلْإِيمَانِ مِنْ ظُلْمِ الْعِبَادِ.