«فإن قيل» : لا يستقيم تقدير البَدَلِ في قوله: {لا يَحْسِبَن الذيِن يَفْرَحُون بِمَا أتَوْا فَلا يَحْسِبُنَّهم بِمَفَازَةٍ} ، وقد دخلت الفاءُ بينهما، ولا يدخل بين البدل والمُبْدَلِ منه، الفاءُ.
قيل: إن الفاء زائدة؛ يَدُلُّك على ذلك: أنها لا يجوز أن تكون
عاطفة؛ لأن المعنى: لا يَحْسِبَنَّ الذين يفرحون بما أتوا، أَنْفُسَهم بمفازةٍ مِنَ العَذَابِ.
وإذا كان كذلك، لَمْ يَجُزْ تقديرُ العطف؛ لأن الكلام لم يستقل بعدُ، فيستقيم فيه تقديرُ العَطْفِ. ولا يجوز - أيضًا - أن تكون للجزاء، كالتي في قوله: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} ، ونحوها؛ لأن هذا ليس من مواضع الجزاء. وإذا لم يجز أن تكون للعطف [و] لا لِلْجَزَاء، ثَبَتَ أنها زائدة؛ كقوله:
وإذا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذلك فاجْزَعِي
وكما أنشد قُطْرُب:
وحِينَ تَركتُ العائداتِ يَعدْنَهُ ... يَقُلْن فلا تَبْعَدْ وقلتُ لَه ابْعَدِ
وذكرنا وجْهَ زيادة الفاء في الكلام، فيما تقدم.
وقوله تعالى: {فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ} قد تَعَدّى فيه فعلُ الفاعل إلى ضميرِهِ. وفِعْلُ الفاعل في هذا الباب، يَتَعدَّى إلى ضمير نفسه؛ نحوَ (ظَنَنْتُنىِ أخاه) ، و (حَسِبْتُني ذاهبًا) .
يدل على ذلك: قُبْحُ دخولِ النَفْسِ عليها. ولو قلت: (حَسِبتُ نفسي تفعل كذا) . لم يَحْسُنْ، كما يَحْسنُ: (حَسِبْتُنِي) ، و (أَحْسِبُنِي) .
وحُذِفَتْ واوُ الضميرِ في {يَحْسِبُنَّهم} ؛ لِدُخول النون الثقيلة، واجتماع الساكنين. و - كذلك - يُحذف عند دخول النونِ الخفيفة؛ كما تقول: (لا يَحْسِبُنْ زيدًا ذاهبًا) . انتهى انتهى {التفسير البسيط، للواحدي} ...