وَاعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ هَذَا الْجَوَابِ: أَنَّ لَفْظَ الْإِخْزَاءِ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ التَّخْجِيلِ وَبَيْنَ الْإِهْلَاكِ، وَاللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ فِي طَرَفَيِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ جَمِيعًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْفِيُّ بِقَوْلِهِ: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) غَيْرَ الْمُثْبَتِ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) وَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ الِاسْتِدْلَالُ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ إِنَّمَا يَتَمَشَّى إِذَا كَانَ لَفْظُ الْإِخْزَاءِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ هَذَيْنِ الْمَفْهُومَيْنِ، أَمَّا إِذَا كَانَ لَفْظًا مُتَوَاطِئًا مُفِيدًا لِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَكَانَ الْمَعْنَيَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْوَاحِدِيُّ نَوْعَيْنِ تَحْتَ جِنْسٍ وَاحِدٍ، سَقَطَ هذا الجواب لأن قوله: (لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) لِنَفْيِ الْجِنْسِ وَقَوْلَهُ: (فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) لِإِثْبَاتِ النَّوْعِ، وَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ.
* قَوْلُهُ: (إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) عَامٌّ دَخَلَهُ الْخُصُوصُ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا) [مَرْيَمَ: 71، 72] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ، وَأَهْلُ الثَّوَابِ يُصَانُونَ عَنِ الْخِزْيِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ يَكُونُونَ فِي النَّارِ، وَهُمْ أَيْضًا يُصَانُونَ عَنِ الْخِزْيِ.
قَالَ تَعَالَى: (عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ) [التَّحْرِيمِ: 6] .