الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَفَا عَنْهُمْ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ: (وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) [آلِ عِمْرَانَ: 155] ثُمَّ أَمَرَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ وَلِأَجْلِهِمْ، كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، وَاعْفُ عَنْهُمْ فَإِنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُمْ قَبْلَ عَفْوِكَ عَنْهُمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ رَحْمَةِ اللَّهِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ.
وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)
الْفَائِدَةُ فِي أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ الرَّسُولَ بِمُشَاوَرَتِهِمْ وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ مُشَاوَرَةَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُمْ تُوجِبُ عُلُوَّ شَأْنِهِمْ وَرِفْعَةَ دَرَجَتِهِمْ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي شِدَّةَ مَحَبَّتِهِمْ لَهُ وَخُلُوصَهُمْ فِي طَاعَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ إِهَانَةً بِهِمْ فَيَحْصُلُ سُوءُ الْخُلُقِ وَالْفَظَاظَةُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِنْ كَانَ أَكْمَلَ النَّاسِ عَقَلًا إِلَّا أَنَّ عُلُومَ الْخَلْقِ مُتَنَاهِيَةٌ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَخْطُرَ بِبَالِ إِنْسَانٍ مِنْ وُجُوهِ الْمَصَالِحِ مَا لَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ، لَا سِيَّمَا فِيمَا يَفْعَلُ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا
فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «أَنْتُمْ أَعْرَفُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ وَأَنَا أَعْرَفُ بِأُمُورِ دِينِكُمْ»
وَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا هُدُوا لِأَرْشَدِ أَمْرِهِمْ»
الثَّالِثُ: قَالَ الْحَسَنُ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ إِنَّمَا أُمِرَ بِذَلِكَ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ فِي الْمُشَاوَرَةِ وَيَصِيرَ سُنَّةً فِي أُمَّتِهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ شَاوَرَهُمْ فِي وَاقِعَةِ أُحُدٍ فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِالْخُرُوجِ، وَكَانَ مَيْلُهُ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ، فَلَمَّا خَرَجَ وَقَعَ مَا وَقَعَ، فَلَوْ تَرَكَ مُشَاوَرَتَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَقِيَ فِي قَلْبِهِ مِنْهُمْ بِسَبَبِ مُشَاوَرَتِهِمْ بَقِيَّةُ أَثَرٍ.