الثَّالِثُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ شَاهَدُوا الْكُفَّارَ فِي مَكَّةَ فِي الْقُوَّةِ وَالثَّرْوَةِ وَإِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ مَا اتَّفَقَ لَهُمُ اسْتِيلَاءٌ عَلَى أُولَئِكَ الْكُفَّارِ، فَكَانَتْ هَيْبَتُهُمْ بَاقِيَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاسْتِعْظَامُهُمْ مُقَرَّرًا فِي نُفُوسِهِمْ فَكَانُوا لِهَذَا السَّبَبِ يَهَابُونَهُمْ وَيَخَافُونَ مِنْهُمْ.
(وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ(126)
قَولُهُ: (وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ)
فِيهِ سُؤَالٌ: وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ وَلِتَطْمَئِنَّ فِعْلٌ وَقَوْلُهُ (إِلَّا بُشْرى) اسْمٌ وَعَطْفُ الْفِعْلِ عَلَى الِاسْمِ مُسْتَنْكَرٌ، فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَاطْمِئْنَانًا، أَوْ يُقَالُ إِلَّا لِيُبَشِّرَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ فَلِمَ تَرَكَ ذَلِكَ وَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى عَطْفِ الْفِعْلِ عَلَى الِاسْمِ؟
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: فِي ذِكْرِ الْإِمْدَادِ مَطْلُوبَانِ، وَأَحَدُهُمَا أَقْوَى فِي الْمَطْلُوبِيَّةِ مِنَ الْآخَرِ، فَأَحَدُهُمَا إِدْخَالُ السُّرُورِ فِي قُلُوبِهِمْ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إِلَّا بُشْرى
وَالثَّانِي: حُصُولُ الطُّمَأْنِينَةِ عَلَى أَنَّ إِعَانَةَ اللَّهِ وَنُصْرَتَهُ مَعَهُمْ فَلَا يَجْبُنُوا عَنِ الْمُحَارَبَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ فَفَرَّقَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْعِبَارَتَيْنِ تَنْبِيهًا عَلَى حُصُولِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فِي الْمَطْلُوبِيَّةِ فَكَوْنُهُ بُشْرَى مَطْلُوبٌ وَلَكِنَّ الْمَطْلُوبَ الْأَقْوَى حُصُولُ الطُّمَأْنِينَةِ، فَلِهَذَا أَدْخَلَ حَرْفَ التَّعْلِيلِ عَلَى فِعْلِ الطُّمَأْنِينَةِ، فَقَالَ: (وَلِتَطْمَئِنَّ) وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ (وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً) [النَّحْلِ: 8] وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ هُوَ الرُّكُوبُ أَدْخَلَ حَرْفَ التَّعْلِيلِ عَلَيْهَا، فَكَذَا هَاهُنَا.