بَقِيَ مِنْ مَبَاحِثِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَمْرَانِ: الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَعْدُومَ صَارَ مَرْئِيًّا، وَالِاحْتِمَالَ الثَّالِثَ يَقْتَضِي أَنَّ مَا وُجِدَ وَحَضَرَ لَمْ يَصِرْ مَرْئِيًّا
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَهُوَ مُحَالٌ عَقْلًا، لِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَا يُرَى، فَلَا جَرَمَ وَجَبَ حَمْلُ الرُّؤْيَةِ عَلَى الظَّنِّ الْقَوِيِّ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، لِأَنَّ عِنْدَنَا مَعَ حُصُولِ الشَّرَائِطِ وَصِحَّةِ الْحَاسِدِ يَكُونُ الْإِدْرَاكُ جَائِزًا لَا وَاجِبًا، وَكَانَ ذَلِكَ الزَّمَانُ زَمَانَ ظُهُورِ الْمُعْجِزَاتِ وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، فَلَمْ يَبْعُدْ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ حَصَلَ ذَلِكَ الْمُعْجِزُ، وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَعِنْدَهُمُ الْإِدْرَاكُ وَاجِبُ الْحُصُولِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الشَّرَائِطِ وَسَلَامَةِ الْحَاسِدِ، فَلِهَذَا الْمَعْنَى اعْتَذَرَ الْقَاضِي عَنْ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ عِنْدَ الِاشْتِغَالِ بِالْمُحَارَبَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ قَدْ لَا يَتَفَرَّغُ الْإِنْسَانُ لِأَنْ يُدِيرَ حَدَقَتَهُ حَوْلَ الْعَسْكَرِ وَيَنْظُرَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَبِيلِ التَّأَمُّلِ التَّامِّ، فَلَا جَرَمَ يَرَى الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ
وَثَانِيهَا: لَعَلَّهُ يَحْدُثُ عِنْدَ الْمُحَارَبَةِ مِنَ الْغُبَارِ مَا يَصِيرُ مَانِعًا عَنْ إِدْرَاكِ الْبَعْضِ
وَثَالِثُهَا: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ فِي الْهَوَاءِ مَا صَارَ مَانِعًا عَنْ إِدْرَاكِ ثُلُثِ الْعَسْكَرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ.