فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ كَانَ التَّقْلِيلُ وَالتَّكْثِيرُ فِي حَالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَقُلِّلُوا أَوَّلًا فِي أَعْيُنِهِمْ حَتَّى اجْتَرَءُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا تَلَاقَوْا كَثَّرَهُمُ اللَّهُ فِي أَعْيُنِهِمْ حَتَّى صَارُوا مَغْلُوبِينَ، ثُمَّ إِنَّ تَقْلِيلَهُمْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَتَكْثِيرَهُمْ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، أَبْلَغُ فِي الْقُدْرَةِ وَإِظْهَارِ الْآيَةِ.
وَالِاحْتِمَالُ الثَّالِثُ: أَنَّ الرَّائِينَ هُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَالْمَرْئِيِّينَ هُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَالْمُسْلِمُونَ رَأَوُا الْمُشْرِكِينَ مِثْلَيِ الْمُسْلِمِينَ سِتَّمِائَةٍ وَأَزْيَدَ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْمُسْلِمَ الْوَاحِدَ بِمُقَاوَمَةِ الْكَافِرِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) [الْأَنْفَالِ: 66] .
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ، وَكَانُوا ثَلَاثَةَ أَمْثَالِهِمْ؟
الْجَوَابُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَظْهَرَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ عَدَدِ الْمُشْرِكِينَ الْقَدْرَ الَّذِي عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُمْ يَغْلِبُونَهُمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) فَأَظْهَرَ ذَلِكَ الْعَدَدَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ تَقْوِيَةً لِقُلُوبِهِمْ، وَإِزَالَةً لِلْخَوْفِ عَنْ صُدُورِهِمْ.
وَالِاحْتِمَالُ الرَّابِعُ: أَنَّ الرَّائِينَ هُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَأَنَّهُمْ رَأَوُا الْمُشْرِكِينَ عَلَى الضِّعْفِ مِنْ عَدَدِ الْمُشْرِكِينَ فَهَذَا قَوْلٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ بِهِ أَحَدٌ، لِأَنَّ هَذَا يُوجِبُ نُصْرَةَ الْمُشْرِكِينَ بِإِيقَاعِ الْخَوْفِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْآيَةُ تُنَافِي ذَلِكَ، وَفِي الْآيَةِ احْتِمَالٌ خَامِسٌ، وَهُوَ أَنَّا أَوَّلَ الْآيَةِ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْخِطَابَ مَعَ الْيَهُودِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ تَرَوْنَ أَيُّهَا الْيَهُودُ الْمُشْرِكِينَ مِثْلَيِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْقُوَّةِ وَالشَّوْكَةِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ رَأَوْهُمْ مثليهم فقد كَانُوا ثَلَاثَةَ أَمْثَالِهِمْ فَقَدْ سَبَقَ الْجَوَابُ عَنْهُ.