وَأَمَّا مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُ مُحْكَمٌ وَبَعْضَهُ مُتَشَابِهٌ، فَهُوَ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي نَحْنُ فِي تَفْسِيرِهَا، وَلَا بُدَّ لَنَا مِنْ تَفْسِيرِ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ بِحَسَبِ أَصْلِ اللُّغَةِ، ثُمَّ مِنْ تَفْسِيرِهِمَا فِي عُرْفِ الشَّرِيعَةِ: أَمَّا الْمُحْكَمُ فَالْعَرَبُ تَقُولُ: حَاكَمْتُ وَحَكَّمْتُ وَأَحْكَمْتُ بِمَعْنَى رَدَدْتُ، وَمَنَعْتُ، وَالْحَاكِمُ يَمْنَعُ الظَّالِمَ عَنِ الظُّلْمِ وَحَكَمَةُ اللِّجَامِ الَّتِي هِيَ تَمْنَعُ الْفَرَسَ عَنِ الِاضْطِرَابِ، وَفِي حَدِيثِ النَّخَعِيِّ:"أَحْكِمِ الْيَتِيمَ كَمَا تُحَكِّمُ وَلَدَكَ"أَيِ امْنَعْهُ عَنِ الْفَسَادِ، وَقَالَ جَرِيرٌ: أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ، أَيِ امْنَعُوهُمْ، وَبِنَاءٌ مُحْكَمٌ أَيْ وَثِيقٌ يَمْنَعُ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، وَسُمِّيَتِ الْحِكْمَةُ حِكْمَةً لِأَنَّهَا تَمْنَعُ عَمَّا لَا يَنْبَغِي، وَأَمَّا الْمُتَشَابِهُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ مُشَابِهًا لِلْآخَرِ بِحَيْثُ يَعْجِزُ الذِّهْنُ عَنِ التَّمْيِيزِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا) [الْبَقَرَةِ: 70] وَقَالَ فِي وَصْفِ ثِمَارِ الْجَنَّةِ (وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا) [الْبَقَرَةِ: 25] أَيْ مُتَّفِقَ الْمَنْظَرِ مُخْتَلِفَ الطُّعُومِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) [الْبَقَرَةِ: 118] وَمِنْهُ يُقَالُ: اشْتَبَهَ عَلَيَّ الْأَمْرَانِ إِذَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا، وَيُقَالُ لِأَصْحَابِ الْمَخَارِيقِ: أَصْحَابُ الشُّبَهِ،
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُتَشَابِهَاتٌ» وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مُشْتَبِهَاتٌ.