[98] فإن قيل: المستعمل في مثله إدخال حرف النفي على القاصر، وحرف
التّشبيه على الكامل كقولهم: ليس كالذّهب الفضّة، وليس العبد كالحرّ، فوزانه: وليس الأنثى كالذّكر.
قلنا: لما كان جعل الأصل فرعا، والفرع أصلا، في التّشبيه، في حالة الإثبات، يقتضي المبالغة في المشابهة، كقولهم: القمر كوجه زيد، والبحر ككفّه، كان جعل الأصل فرعا، والفرع أصلا، في حالة النفي، يقتضي نفي المبالغة في المشابهة، لا نفي المشابهة؛ وذلك هو المقصود، هنا؛ لأنّ المشابهة واقعة بين الذّكر والأنثى، في أعمّ الأوصاف، وأغلبها؛ ولهذا يقاد أحدهما بالآخر؛ وإنّما أرادت أمّ مريم نفي المشابهة بينهما في صحّة النذرية، خادما للبيت المقدس؛ لا غير. فلذلك عكس.
الثّاني: أن ذلك قوله تعالى، والمعنى ليس الذّكر الّذي طلبت أن يكون خادما للكنيسة كالأنثى التي وهبت؛ لما علم الله من جعلها وابنها آية للعالمين. وهو تفسير للتّعظيم والتّفخيم المجمل في قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) [آل عمران: 36] .
وهي لا تعرف مقدار شرفه، واللّام في الذّكر والأنثى للعهد. هذا كلّه قول الزّمخشري، وتمامه في الكشّاف.
وقال الفقيه أبو اللّيث رحمه الله تعالى: (قال بعضهم: هذا قول الله تعالى لمحمّد، عليه الصلاة والسلام. أي وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى يا محمّد. وقال بعضهم: هو من كلام أمّ مريم.
[99] فإن قيل: كيف نادت الملائكة زكريّا، وهو قائم يصلّي في المحراب، وأجابها وهو في الصلاة، كما قال الله تعالى: (فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي) [آل عمران: 39] الآية؟
قلنا: المراد بقوله يصلّي: أي يدعو، كقوله تعالى: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها) [الإسراء: 110] أي بدعائك.
[100] فإن قيل: ما فائدة تخصيص يحيى، عليه السلام، بقوله: (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) [آل عمران: 39] ، وكلّ واحد من المؤمنين مصدّق بجميع كلمات الله تعالى؟
قلنا: معناه مصدّقا بعيسى الذي كان وجوده بكلمة من الله تعالى؛ وهو قوله: «كُنْ» من غير واسطة أب في الوجود. وكان تصديق يحيى بعيسى أسبق من تصديق كلّ أحد، في الوجود، أو في الرتبة.